من يوقف دعاة تجريد الدولة من بعض ثرواتها بما فيها النفطية والغازية؟ ومن يضمن عدم التجريد الكامل!

منذ ٤ أشهر
تاريخ النشر: الأربعاء ديسمبر 18, 2019 6:11 صباحًا

لن يقنعنا أحد بعدم وجود ايادي البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية وراء بيع ثروات الوطن للأجانب تحت مسمى الخصخصة ، كما لم نقتنع بالمبررات الرسمية التي تشرح فوائد البيع ، وتقدمها وكأنها ستحل مصاعبنا المالية فلماذا لا يتم الكشف عن الأسباب التي تؤدي الى تدني إنتاجية القطاع العام ، وتدني ربحيته بل وخسارته ؟ ولماذا تركز التبريرات على فوائد البيع فقط ؟

هناك محاولة واضحة لتجهلينا بأسباب الفشل ، وبدور المضاربين المحليين في التجريد ، وهناك محاولة مماثلة لاستغباءنا عندما يبررون البيع بالتخفيف من عبء النفقات .. ولن تنجح ، لأننا نؤمن بانه لو توفر للقطاع العام كفاءات مالية واقتصادية وإدارية وطنية وتكنوقراطية .. لما شهدت شركاته الخسائر ، ولما شكلت عبئا ماليا على موازنة الدولة ، بل العكس ، فالنجاح فيها كقطاعات النفط والغاز مضمون بطبعها لو توفرت إدارات تكنوقراطية .

يمكن القبول بالخضخضة لو كانت تشمل شركات محددة تحتاج لتكنولوجيا لا يمكن توفرها الا عن طريق الخضخضة ، لكنها أي الخصخصة ستستهدف القطاع العام ، ودور الدولة الاجتماعي والاقتصادي كله .. فالمطلوب منا كذلك خصخصة أنشطة الدولة في المجالات الاجتماعية والتعليمية والصحية .. من هنا تسقط كل التبريرات والتفسيرات ، وتحتم علينا وضع مسارات بيع الثروات الوطنية في سياقاتها الحقيقية التي لن يختلف عليها ابدا ، عندها سيتضح لنا أسباب تجريد الدولة من ريوعها النفطية والغازية كما كشف عن ذلك الوزير المسئول عن الشئون المالية ، وهو انكشاف يسرع من بيع أصول الدولة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء .

أتذكر – إن لم تتذكرون سأذكركم – ابان الازمة النفطية التي اندلعت في منتصف عام 2014 ، عندما وصلت أسعار النفط الى عشرة دولارات ، في حينها زار وفد صندوق النقد الدولي للسلطنة ضمن وفود أخرى زارت في الوقت نفسه دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى ، جاءت حاملة جملة مخاوف ، ومنها رفع سقف المخاطر ، ابرزها :

احتمال أن تتعرض الدول الخليجية من بينها بلادنا لعجز كبير في الميزانية العامة للدولة بسبب عدم التحكم في الإنفاق العام، وبسبب كلفة وعدم كفاءة الخدمات التي تقدمها في مختلف القطاعات علاوة على ما تستنزفه فاتورة الدعومات الكبيرة ضمن الموازنة العامة، ملوحا بتقلبات سوق النفط العالمي وتوقع انخفاض سعر برميل النفط الى أسعار تشاؤميه .

وكل من حضر اجتماعات خبراء الصندوق الدولي في بلادنا ، يؤكد لنا إصرار الخبراء على تعميم رسالة عدم كفاءة بلادنا في إدارة وتنظيم وانفاق ثرواتها ، وهذا تسويق لفكرة تسليمها للخارج ، مما أوصى الصندوق ، وتوصياته قد أصبحت الان ملزمة على كل الخليج ، رفع يد الدولة الاقتصادي والاجتماعي بالتدريج ، وتحويلها لشركات عابرة الحدود .. وهذا ما يحدث حاليا ، وهذا ما نلاحظه في توصيات صندوق النقد الدولي ، ابرزها الاتي :

– فرض منظومة متكاملة من الضرائب من بينها ضريبة القيمة المضافة.
– رفع رسوم استهلاك الكهرباء والمياه
– وخفض الإنفاق العام.
– تسريع جهود الخصخصة.
– وقف رفع الرواتب والأجور في القطاع الحكومي ” الترقيات والتعينات ”

وتلكم التوصيات هي نفسها نسخة معدة وجاهزة لكل الدول الخليجية الست ، لكن المثير هنا ، ان توصياته لا تتضمن تخفيض الإنفاق العسكري لدول الخليج ، لماذا ؟ لانها على استيراد منظومات الأسلحة المتقدمة من الغرب وعلى رأسهم أمريكا ، وهذا يكشفنا خلفية مهمة من خلفيات تلكم المؤسسات المالية التي لم يعد سرا القول انها تخدم مصالح الدول الكبرى في المقام الأول .

فهل تلكم تلكم التوصيات تتجسد في واقعنا العماني خاصة والخليجي عامة ؟ المتأمل في معظمها يرى انها قد بلغت مبلغا كبيرا ومتعاظما في التطبيق وفي تداعياتها الاجتماعية ، فخفض الانفاق العام ، ومالاته ، قد أصبح ينتج الالام اقتصادية كبرى على الشركات الصغيرة والمتوسطة ، وكذلك اجتماعية ، يمكن التدليل عليها بقضايا التسريح الجماعية ، وأعضاء مجلس الشورى الذين ناقشوا البعد الاقتصادي والمالي لموازنة 2020 في جلسة سرية ، قد انصدموا بحجم السقف الثابت للأنفاق العام ، ويبدو أنه سيكون ثابتا سنويا .. الخ .

وهذا يعني استمرار الالام الاقتصادية والاجتماعية ، ولن نكشف سرا اذا ما نقلنا قلق بعض الأعضاء من البدائل التي طرحت في هذه الجلسة لتوفير موارد مالية إضافية من ثوابت اجتماعية أساسية ، لو عرفت النور ، لشكلت مفترق طرق تاريخية على مسارات اجتماعية تعد من كبرى إنجازات نهضتنا المباركة ، فشكرا للاعضاء الذين وقفوا معارضين بقوة العقل ، وبدوافع وطنية ضد الجنون الذي ساد في هذه الجلسة ، وهم اقلية جدا ، لكن صوتهم كان الحاسم .

ويمكننا القول أخيرا ، أن ما يبطن داخل الخصخصة ، هدفه فتح أسواق وثروات الخليج للرأسمالية الكبرى ، وتمارس عبر مؤسساتها وادواتها المالية والتجارية كالبنك وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية مختلف الضغوطات على الدول الخليجية ، لذلك لا علاقة لها بمساعدة الدول الخليجية على تجاوز مصاعبها المالية .. بل العكس ستزداد اكثر عمقا وتأثيرا ، ويتأثر بها المجتمعات بصورة تفاعلية ، فهذه المصاعب مفروض عليها ان تعالج عن طريق منظومة متكاملة من الضرائب ، وفي هذا مخاطر تنتظر الدول الخليجية ، فمن يقف دعاة تجريد الدول الخليجية من ثرواتها النفطية والغازية ؟ للأسف ، أصوات المعارضة لا يبدو أنها مؤثرة ، أو انها خارج سلطة التأثير على القرار بعد ان اقصت من مناصبها بسببها ، فعلى ماذا نراهن الان لوقف دعاة تجريد الدولة من ثرواتها الوطنية ؟

السلطنة عبدالله باحجاج عمان سلطنة عمان مجلس الشورى

أخبار ذات صلة