مشاركة ومواقف يوسف بن علوي في منتدي طهران للحوار الإقليمي في طهران.. "الابعاد والانعكاسات والتوقعات بعد رد الفعل الإيراني"

منذ ٣ أشهر
تاريخ النشر: الأربعاء يناير 8, 2020 10:36 صباحًا

هناك الكثير من الرسائل السياسية تخرج من مشاركة يوسف بن علوي وزير الدولة للشئون الخارجية ومواقفه في منتدى طهران للحوار الإقليمي للأمن والسلام المنعقد في طهران ، رهاناتنا هنا على التوقيت الزمني لعقد هذا المنتدى الان ، فلماذا لم يؤجل خاصة وان ايران في حالة حزن لمقتل قاسم سلماني من قبل الامريكان ، وفي وقت تحضر طهران للرد الذي جاء خلال الساعات الماضية عبر استهداف القاعدة التي انطلق منها الهجوم المسلح على سليماني ، مما قد يفسر الرد بالمنطقية ، بمعنى كرد فعل إيراني طبيعي للفعل الأمريكي من حيث اشخاصه ومكانه .

والتساؤل الملح الان يدور حول ، هل ستنتهي قضية الرد الإيراني على مقتل سليماني عند هذا الهجوم فقط ؟ وهل ستعتبره واشنطن رد فعل متسق ومقبول على فعلها الذي أدى الى مقتل سليماني ومعه قادة اخرين من ايران والعراق ام ستكون لها خطوات عسكرية أخرى مما سيخرج الوضع عن سياقات التهدئة وخفض التوترات التي من أجلها جاء العلوي الى طهران بعد اتصالات أمريكية ؟ وهذا يجعلنا نحلل مشاركة العلوي في المنتدى ومواقفه فيه ، وطبيعة الرد الإيراني ” مكانا وزمانا ” .

عقد المنتدي في مكتب الدراسات السياسية بوزارة الخارجية الإيرانية ، ومكان الانعقاد له ابعاد سياسية لا تقل أهمية عن التوقيت الزمني، والمتأمل في المفردات التي استخدمها العلوي في المنتدى ، سيلاحظ أنه قد تم توظيفها من منطلق المكان وظروف الزمان ، وحاجة الامن الإقليمي والمصالح العالمية لضبط ردة فعل الإيرانية لفعل مقتل سليماني ، فهل استهداف القاعدة الامريكية في العراق التي انطلق منها الهجوم على سليماني يدخل ضمن ضبط ردة الفعل الإيرانية التي يسعى اليها العلوي بالتنسيق مع واشنطن ؟

اللافت في مشاركة العلوي في هذا المنتدى ، تبنيه مفردات تخترق مشاعر وعواطف الإيرانيين رغم انها تثير استياء الكثير من شعوب المنطقة ، كمفردة ” الشهادة ” التي اطلقها على سليماني ” حسب ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي نقلا وكالة مهر الإيرانية ” مما يجعل العلوي قبوله في طهران تعزيزا لمسيرة قبوله التاريخية معها .

وبالتالي ، فالعلوي يعد الشخصية الخليجية والعربية والعالمية الوحيدة التي يمكن ان تفتح لها ايران كل حواسها للاستماع اليه ، والاعتداد بمرئياته مما ينقله لها من مواقف ووساطات للتهدئة ، وطهران في امس الحاجة الى معرفة وجهة نظر من تثق فيه ، والعلوي رجل ثقة لطهران كسبها من خلال صدقية وحيادية السلطنة مع دول الجوار ، ودغدغة عواطف ومشاعر الإيرانيين بأطلاق الشهادة على مقتل سليماني وكذلك على الاخرين الذين سقطوا معه ، قد عزز مداخل العلوي السيكولوجية عند الإيرانيين بكل طوائفهم وشرائحهم ومكوناتهم ، ما عدا السنين الذين لهم وجهة نظر مختلفة عن سليماني .

وقد ارادت طهران الاستماع الى وجهات نظر اصدقائها في هذه المرحلة الحساسة والمعقدة جدا ، وبصوت مرتفع يسمعه كل الإيرانيين ، لذلك عقدت هذا الحوار وهى في قمة احزانها ، وقبل ردها اليوم ، وهذا في حد ذاته تعبير عن البرغماتية الإيرانية ، وهى تطبقها – أي البرغماتية – بامتياز – لذلك ، فقد خاطب العلوي ايران من خلال برغماتيتها بعد ان نجح في التغلغل الى عواطفها ومشاعرها باستخدامه عبارات مثل ” الشهادة ” وكذلك اعتبار مقتل سليماني بمثابة ” كارثة كبيرة على الجميع ” وكذلك اطلاق على سليماني لقب ” القائد ” واعتبره قد قدم خدمات مفيدة للغاية – على حد وصفه – .

بعد ذلك ، توجه العلوي مباشرة الى بعث رسائل سياسية لمالات مقبلة ، وذلك عندما اعرب العلوي عن ثقته بانحياز طهران للأمن على حساب التصعيد غير المنضبط ، وهذا كان يعني لنا ان ردة فعلها على مقتل سليماني سيكون في اطار سياقات ضبط التصعيد ، فهل ردها اليوم يدخل في هذا السياق ؟ نميل الى ذلك ، خاصة اذا ما رجعنا الى فقرة هامة من تصريحات العلوي في المنتدى ، فقوله ” بان ايران ستأخذ خطوة في هذا الصدد – أي باتجاه الامن ” تعزز لدينا القناعة بان ردة فعلها اليوم يدخل في سياق ضبط التصعيد رغم ما قد نسمعه لاحقا من تهويل إيراني لردة فعلها بعد سقوط ضحايا قد لا تكون دقيقة ، ويقابلها وعد ووعيد امريكي بالرد على ردة فعل الإيرانية ، وهذا ما ستكشفه لنا الساعات القليلة المقبلة .

والعلوي هنا يعلي كثيرا من شأن البرغماتية الإيرانية ، ويجعلنا معها نعيد البوصلة نحو التهدئة رغم رد طهران اليوم ، فرسائله السياسية في المنتدى تشيد بحكمة القيادة الإيرانية منها قوله ، ولولا حكمة على خامنئي لما تحقق الاستقرار في المنطقة ، بل ذهب الى اكثر من ذلك صراحة وشفافية ، عندما استطرد بعد ذلك بالقول ” ونعتقد أن هذا الجهد والحكمة سيستمران ” .

ولنا في فقرته ما قبل الأخيرة ما يغنينا عن اية استجلاءات أخرى في الرهان على البرغماتية الإيرانية لمواجهة تحديات مقتل سليماني ، حيث قال العلوي ” ان ما نواجهه سيتحقق في المستقبل من خلال الحكمة والبراعة في القيادة الايرانية ” كاشفا أخيرا عن اتصالات مستمرة اجراها الامريكيون مع السلطنة بهدف تخفيف التوترات ” وفي لهجة كلها ثقة بالنجاح ، قال العلوي أخيرا ” سنعمل جميعا معا لمساعدة المنطقة على تحقيق استقرار حقيقي ”

والفقرة الأخيرة لبن علوي تجعلنا نستشرف المستقبل بالتساؤل التالي : هل سيخرج من رحم ” الكارثة كما وصفها العلوي ” ومن تداعيات الرد الإيراني اليوم على مقتل سليماني ، الامن والسلام لدول المنطقة عربها وفرسها ؟ وهذا الاستشراف ربما يسير عكس استشرافات الخبراء الذين يشبهون المرحلة الراهنة بالمرحلة التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى بسبب حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته في 28 يونيو عام 1914، مواقف يوسف العلوي وابعادها وخلفياتها في اطار زمانها ومكانها ، تعطينا هذه الرؤية ، ونعتقد ان الظروف الإقليمية خاصة قبل حادثة مقتل سليماني كانت مواتية لتحولات إقليمية غير مسبوقة .

فالاحداث العسكرية الخطيرة التي شهدها العام المنصرم 2019 ، قد بدلت الكثير من المفاهيم والقناعات ، وابرزت الحاجة الى حوار إقليمي شامل ، والخروج بتفاهمات سياسية تساعد على صياغة ميثاق إقليمي للأمن والسلام ، فكل دول المنطقة قد أصبحت لديها قناعة راسخة ان أي دولة إقليمية لن تتمكن من محو أي كيان سياسي لو بمساعدة الشياطين من خارج المنطقة ، وان شراء الأسلحة وتكديسها لم ولن يحقق الامن والاستقرار لأي دولة إقليمية ولا السلام الإقليمي ، من هنا ، تبرز الحاجة الى الحوار الإقليمي المنتج للعيش السلمي للكل وللتعاون وتبادل المنافع على قدم المساواة .

هل الفعل الأمريكي ورد الفعل الإيراني عليه ،سينتجان للمنطقة هذا الامل ؟ وهل مواقف وتصريحات الوزير المسئول عن الشئون الخارجية في منتدى طهران للحوار الإقليمي تحمل تلكم الدلالات والابعاد والتوقعات ؟ والى أي مدى جاء الرد الإيراني متناغما مع تفاهمات التهدئة التي من اجلها زار العلوي طهران قبل ساعات من ردة الفعل الإيرانية ؟ وهنا نستحضر تصريح وزير الخارجية الإيراني قبل قليل ، عندما قال ان بلاده ستكتفي بأطلاق الصواريخ اذا لم ترد واشنطن عليها ، والساعات القليلة المقبلة ستحدد لنا مدى نفاذ رؤيتنا الاستشرافية .

طهران العراق إيران عين الأسد سليماني واشنطن يوسف بن علوي

أخبار ذات صلة