"متلازمة الدهشة" .. بقلم: روان الكلبانية

منذ ٦ أشهر
تاريخ النشر: الجمعة يناير 10, 2020 6:44 مساءً

 

مدخل:

يخرج الأب لحديقة المنزل، بينما هو يقطع عتبة الباب قطب جبينه منزعجاً من أشعة الشمس التي ألهبت عيناه، سلك الممر المغطى بسور من الأزهار العطرية وصولا للباحة الخلفية للحديقة ، انتعل حذاء أسود ثقيل من الجلد اللامع، أمسك محراثه محدثاً حفر صغيرة على مسافة متساوية تقريبا ، هم بغرس نبته حين أزعجه نباح كلبه فنهره. بإشارة طلب منه أن يهدأ. في هذه الأثناء يتجاوز ابنه ذو الأربعة أعوام عتبة الباب، تلمع عيناه ويُطلق صيحات تنم عن دهشته وهو يتفحص ذلك الضياء الآخاذ الخارج من كرة عالقة في السماء، يحب لونها جدا ويحب أن يغسل روحه بنورها ، يوبخه أبيه فيوقظه من دهشته ويطلب منه أن ينتعل الحذاء، يتجاهل الصبي أوامر والده فهو يحب أن يتحسس الوخزات اللطيفة لأطراف العشب على سطح قدمه، كما انه يحب أن يستلقي عليه ويملىء رئتيه برائحة العشب والتراب المبلول، يهوى التمرغ في الوحل وما كان سيتردد في القفز بقوة فوق بركة أحدثها ثقب في الخرطوم لولا أنه مراقب الآن، راح الكلب ينبح مجدداً أُعجب صبينا بنباح الكلب فراح يقلده، وبين ما هو غارق في مجاراة نباح الكلب زحفت بين يديه دوده لزجه ، اتسعت حدقة طفلنا مجدد، ولَم تسلم الدودة المسكينة منه؛ إنهم الأطفال، كائنات حديثة عهدها، مصابة بمتلازمة الدهشة.

 

*الأطفال فلاسفة *

لا يتوانى صغارنا في التعبير عن تلك الدهشة التي تدفعهم لاكتشاف الأشياء والعالم من حولهم، إنهم بريئون من المسلمات والبرمجات تقريبا، فهم في الطور الأول من حياتهم ولا يزال الكون زاخر بالأشياء التي عليهم فحصها واختبارها وتجربتها، إنهم فلاسفة في جسد ضئيل، يحاصرونك بالأسئلة، وبعض تلك الأسئلة تجعلك غارق في الحيرة والدهشة، إذا أنت لا تملك جواب مقنع لسؤاله، ليس هذا فحسب، أنت لم تفكر فيما فكر فيه بتاتا، كأن تسألك طفلتك التي تبلغ من العمر ست سنوات لماذا لا تولد فتيات بشعر زهري؟

إن كنت يا عزيزي القارئ لا تعجب من أسئلة الأطفال الغريبة ولا تذهلك طريقة تفاعلهم مع العالم ، باعتبارك شخص راشد خبرت الحياة لدرجة صار كل شيء بالنسبة لك واضح فاسمح لي أن أقدم لك تعازي الحارة لدهشتك المؤودة وللطفل المكبل داخلك. كم نبدو نحن البالغون مثيرون للشفقة عندما نتعامل مع عوالمنا بمعتقدات برمجات غيرنا، أن نركن عقولنا في رف عتيق قابلين بمسلمات باليه مضغناها جيداً ونحن نعمل كآلالات ميسرة، ونزعم أننا أحياء معمرون، مثقفون وما نحن إلا آكلي أطباق معرفة عن الأشياء من حولنا. عزيزي البالغ إن كنت تعرف الإجابة على سؤال لماذا لا يولد أحد بشعر زهري، رائع، هل لي أن أسألك من أي مصدر وجدت الإجابة على طبق من ذهب وهل تسائلت انت من قبل لماذا لا يولد أحد بشعر أخضر مثلاً؟

 

لنتعلم من صغارنا

عيون الأطفال تفضح دهشتهم اتجاة الأشياء ، غرق حواسهم وذوبانهم في شيء واحد وإن كلفهم ذلك التمرغ في الوحل مثلاً أو تفكيك ألعابهم المفضلة، تذوقهم لأشياء غريبة، راقب رسومات الأطفال ستدهشك حقاً، يبدون مبدعين بالفطرة. وهذا هو السر عزيزي القارئ، لنتعلم من البراعم المقبلة على حياة برغبة حقيقية في استقبالها واكتشافها، لمَ نحجب عن أنفسنا الإلهام بالتغافل والتعامل مع الحياة على انها شيء اعتدناه ونعرفه جيداً؟نحن لا نعرف وهذه بداية المعرفة حقاً، “‫يوجد طريقتان للعيش إما أن تعيش وترى كل شيء معجزة أو تعيش ولا ترى أي شيء معجزة “. في المرة القادمة تأمل طفلك وهو يتسخ في باحة المنزل ، وعوضاً عن الانزعاج من أسئلته اسمح له بأن يطلق العنان‬ ‫لكليكما.

الإعلانات

أخبار ذات صلة