خطاب ترامب الموجه للداخل الامريكي .. كيف نقرأ دلالته؟ وكيف نسقط رسائله خليجيا؟

منذ شهرين
تاريخ النشر: الخميس فبراير 6, 2020 11:27 صباحًا

هل تعكف الدول الخليجية الست عبر خبرائها ومراكز دراساتها وابحاثها _ مجتمعة أو منفردة – على دراسة خطاب ترامب الذي ادلى به مساء امس الأول الثلاثاء في الكونجرس الأمريكي ام سيمر عليها كالعادة دون الاستفادة من توجهاته الداخلية والخارجية ، ومن ثم البناء عليه في سياساتها الداخلية والخارجية خاصة بعد ما تم تبرئته ليلة امس من قبل الكونجرس ، وهذه إضافة ستعزز من مستقبله السياسي في ضوء ما كشفه للشعب الأمريكي من إنجازات خلال ثلاث سنوات من رئاسته .

وما هي الإنجازات التي يفتخر بها ترامب ؟ هنا الرسالة التي نود ارسالها عاجلا لدولنا الخليجية ، لعلها تستدرك سريعا مسارات خاطئة ستفقدها الإنجازات التي حققتها لمجتمعاتها طوال القرون الماضية ، ومنها يمكن القول ان خطابه عن حالة الاتحاد قد قلب الطاولة مسبقا على منافسيه في الحزب الديموقراطي ، وانتصر عليهم مقدما حتى قبل ان يتم تبرئته بيوم واحد فقط ، وفاز بفترة رئاسية ثانية قبل أن تبدأ انتخاباتها ، وذلك عندما جعل السياسة الامريكية في خدمة المواطنين ، بل وشغلها الشاغل ، ربما يكون هذه من فوائد النظام الديموقراطي الذي يكون الشعب مصدر السلطة السياسية ، وعامل بقائها أو تغييرها .

هناك مجموعة قضايا كبيرة يمكن ان تستوقفنا في خطاب ترامب ولها علاقة باكراهات خليجية داخلية وإقليمية ، سنركز هنا على قضيتين أساسيتين هما : قضية افتخاره بتوفير فرص عمل للأمريكيين ، وبرفع الأجور المتدنية ، وهو ما اعتبره انجاز له بعد ثلاث سنوات من حكمه ، والثانية ، افتخاره كذلك في انهاء حروب واشنطن في الشرق الأوسط كما وعد الشعب الأمريكي في حملته الانتخابية ، وهو هنا يظهر امام الشعب الأمريكي بانه يوفي بما يوعد ، وان صلاحيته في الحكم لا تزال قائمة لأربع سنوات مقبلة ، وهذا الشعور السيكولوجي يقف وراء دافعية سلوكه الاستعلائي بعدم مصافحة رئيسة مجلس النوّاب الأميركي نانسي بيلوسي الذي لجأت عقبها الى تمزيق خطابه في رد فعل انفعالي .

وتلكم القضيتان ينبغي ان تشكل الشغل الشاغل لكل دولة خليجية على المستويين الفردي والجماعي ، ومعها يستوجب من الكل استدراك مسارات خاطئة من منظورين أساسيين ، الأول ، إعادة تصويب سياساتها الداخلية باتجاه خدمة مواطنيها قبل فوات الأوان ، فلن ينكر أحدا حجم المعاناة التي تعاني منها الشعوب الخليجية من جراء سياسات الضرائب والرسوم وقلة المعروض من الوظائف وتسريح الشركات الكثير من المواطنين وفي ضوء الهجرات القسرية للخارج وتصاعدها .. وحتى الان يبدو ان الخليج لم يشعر بالخطر القادم من تداعيات السياسات المالية والاقتصادية على المواطنين خاصة جيل الشباب .

ونرى أن خليجنا لن يتحرك قيد انملة في مواجهة مثل تلكم التحديات ، الا اذا لجأ الى تغيير واستبدال النخب التي اعتمد عليها خلال القرون الماضية ، فهى لم تعد صالحة لادارة مرحلة التحولات والمتغيرات العالمية والوطنية معا ، والتغيير القادم اكبر واخطر ، ففكرهم لم يستوعب التحول والمتغير ، ومن ثم فكيف له ان يدرك حتمية الحفاظ على الثوابت المنجزة في ظل حتمية التحول والمتغير ؟

وهنا يمكننا أن نستدل ببعض الأفكار التي لن تعد صالحة لهذه المرحلة ، والتي تتجاوزها دول كبرى كأمريكا في عهد ترامب ، مثل فكر ” الحكومة غير ملزمة بالتوظيف ” وفكر خفض المرتبات والتي يقترحها البعض ان تكون بنسبة 20 % ” فهذه أفكار تتنصل عن مسئوليات الحكومات تجاه المواطنين ، بل انها ستقفد الحكومات شرعيتها الاجتماعية بصورة دراماتيكية ومتسارعة ، فاذا لم تكن الحكومات مسئولة عن توفير فرص عمل ، كوظيفة أساسية لها ، سواء مباشرة أو غير مباشرة كتجويد التعليم وجعله يتناغم مع احتياجات السوق في كل مراحله وحقبه المختلفة ، او التوظيف المباشر في القطاعات الحكومية والشركات العمومية ، فمن سيكون المسئول ؟

وانجازات ترامب تدحض مثل هذه الأفكار ، وتجعل من الأنظمة الخليجية ان تعيد النظر سريعا في نخبها الاستشارية والوزارية على وجه السرعة ، واستبدالهم بنخب واعية ، لديها المقدرة والامكانية على التعامل مع المتغير والمتحول في ظل الحفاظ على المنجزات التاريخية ، فلو تأملنا في طبيعة نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية ، فقد كان تركيزه على معاناة المواطنين والعائلات الامريكية ، وقد جاء في خطاب الاتحاد امس الأول ليجعل من ذلك في صدارة خطابه ، بل واسهب في تعدد إنجازاته فيه ، فذكر انه وفر سبعة ملايين وظيفة خلال ثلاث سنوات فقط ، افضل من اية حكومة سابقة ، وخفض معدل البطالة خلالها – أي السنوات الثلاث – بحيث اصبح الأقل في تاريخ أمريكا .

موضحا للكونجرس وللراي العام الأمريكي أن برنامجه الرئاسي يميل نحو العمال والعائلات الامريكية بشكل عام ، مدللا على ذلك أيضا بزيادة أجور الأمريكيين بنسبة ” 50 % ” بعد عقود من الدخول المنخفضة ، وموضحا كذلك أنه لم يعد الان ” 10 ” ملايين امريكي بحاجة الى الإعانات الاجتماعية ، وكاشفا ان وراء توقيع الاتفاق التجاري مع الصين فتح اسواقا جديدة وضخمة للمنتجات الامريكية من اجل توفير فرص عمل للأمريكيين .

وهنا يبدو المشهدين الأمريكي والخليجي في قمة التناقض ، فلو قارننا بما يفعله ترامب في بلاده مع مالات الوضع في الخليج منذ عام 2014 ، فإننا سنرى المشهد مختلفا تماما – شكلا وجوهرا – فترامب يحاول كسب العمال والعائلات الامريكية لأنها شرطا وجوبا لحكمه واستمراريته ، وهو هنا يوظف السياسة لخدمة المواطنين ، لأنهم السياق السياسي لإنتاج السلط الحاكمة في بلاده ، ومن ثم يعتبر إنجازاتها الاجتماعية المختلفة غاية لاستمرارية رئاسيته لفترة ثانية ، وسيحصل عليها .

بينما في منطقتنا الخليجية نشهد الان تناقضا سافرا مع تاريخها من جهة ومع واقعها من جهة ثانية ، وتسير باتجاهات معاكسة مع التباين بين الدول الست ،
فقبل منتصف عام 2014 كان للعامل الاجتماعي اعتباره السياسي ليس لدافعية انتخابية وانما لصناعة المنظومة الولائية للأنظمة السياسية ، اما بعده ، فان الرؤية قد اضطربت على وقع الازمة النفطية وتداخل البنك والصندوق الدوليين في شؤونها المالية والاقتصادية ، وفيه تولدت مثل تلكم الأفكار التي تسحق إنجازات الأنظمة الاجتماعية ، وتعيد تؤسس علاقة اجتماعية جديدة مع الأنظمة الخليجية قائمة على التغريب والاغتراب ورفع يد الدولة عن المجتمع ،

هذا ما تحاول دول كبرى كأمريكا في عهد ترامب تصحيحه في نظامها النيوليبيرالي، فالنمو الاقتصادي تحاول ان يكون له انعكاسا على حياة المواطنين خاصة في فئات العمال والعائلات ، على عكس دولنا الخليجية التي النمو فيها يخدم فقط فئة قليلة من اغنيائها، وحتى لو نظرنا لدولة نيولبيرالية أخرى كفرنسا، فقد وقفنا عند انفجار شوارعها من جراء المساس بحق معيشي جزئي وليس شمولي ، وهذه تجارب مفتوحة للدول الخليجية للاستفادة منها لمواجهة تحديات اجتماعية مقبلة ، وقد أصبحت معلومة ، ولا تحتاج لخبراء ولا لعباقرة للكشف عنها .

والقضية الثانية والهامة ، تتعلق في رفع يد أمريكا عن حماية حلفائها في الخليج رغم ابتزازهم السياسي والمالي ، ورغم قواعدها المنتشرة على أراضيها ، وهذا واضح في فقرات هامة وردت في خطاب ترامب ، وذلك عندما اعتبر ان انهاء حروب واشنطن في الشرق الأوسط من بين اهم إنجازاته التي يعول عليها في إعادة انتخابه رئيسا لفترة ثانية مدتها اربع سنوات ، ويدغدغ عواطف الامريكان بالهدف الذي يقف وراء ذلك ، وهو الحفاظ على حياة الأمريكيين .

وهذه السياسة الامريكية كانت واضحة اثناء قصف الحوثيين مواقع استراتيجية في السعودية ، وتجلى وضوحها أكثر للجوء الرياض مؤخرا للاستعانة باليونان في حماية بعض منشاتها الهامة ، فإين الحليف الأمريكي ؟ بل ان التساؤل الجدير بالطرح يدور حول طبيعة الخطوات الخليجية المقبلة بعد ان انكشاف القناع الأمريكي الكامل ؟ وكذلك بعد اللجوء السعودي الى أثينا طلبا للحماية ؟

انها من كبرى المفارقات التي تشيب العقل ، فكيف نطلق على واشنطن حليفا وهو يتفرج على حلفائه في محنهم ، وهى – أي دول الخليج – المنقذ الأكبر لمصانع الأسلحة الامريكية ، وهى العامل الأكبر في نجاح ترامب في توفير فرص عمل للأمريكيين.

أيها الخليج المتصالح مع مجتمعه ، لا تفقدوا مواطنيكم ، فالخطر القادم اكبر واعظم ، وادارتكم السياسية والاقتصادية والمالية الراهنة ، لن تمكنكم من مواجهة تحديات القادم ، دعوة من القلب لكل دولة ان تلجأ الى تقييم وتقويم سياساتها كلها وإصلاح نخبها وقوانينها ، وتحديث هياكلها واطرها وكوادرها استعدادا لمواجهة التحديات .. ودعوة من القلب الى الانفتاح على التصالح الإقليمي بعربه وفرسه ، لكن من بوابة اللحمة الخليجية أولا ، فذلك حتمية كبرى من حتميات المواجهات .. ففوز ترامب بفترة رئاسية ثانية ، كلكم تعلمون أنه سيكون نذير شؤم للخليج ، وانه كذلك ، ما لم يكن للقدر كلمة أخرى .

الخليج الكونغرس ترامب صفقة القرن مجلس الشيوخ نانسي بيلوسي

أخبار ذات صلة