نتنياهو زعيما للشرق الأوسط الجديد

منذ شهرين
تاريخ النشر: الثلاثاء فبراير 11, 2020 11:19 صباحًا

هل يبدو عنوان المقال مثيرا ومستفزا، أو قد يعتقد البعض انه من لدواعي اثارة القاري لقراءة المقال ؟ كلا ، فإن ما يطرحه العنوان هو استخلاص لفهم تطورات جديدة قد خطط له مسبقا ، وقد بدأنا نرى الان خطوات تنفيذية ملموسة – أي فوق السطح – منذ العام 2019 عندما كانت واشنطن تشهد لقاءات إسرائيلية أمريكية وعربية مكثفة لاقامة اتفاقية ” عدم اعتداء ” بين الكيان المحتل ودول مجلس التعاون ومصر والأردن ويقال ان المغرب قد ينضم اليها لاحقا ، في حينها تسربت معلومات عن رفض دولتين خليجيتين ، لكن ما بشر به أول امس حمد بن جاسم ال ثاني رئيس الوزراء القطري الأسبق في احدى تغريداته تبعث على القلق ابل الخوف اذا سمينا الأشياء بمسمياتها الصحيحة ، وهي أي بشارته – والبشارة في النص القرآني قد تكون سارة أو العكس – وهنا العكس ، هى التي تجعلنا نختار عنوان هذه المقال .

فقد توقع هذا المسئول القطري توقيع اتفاقية ” عدم اعتداء” بين تلكم الاطراف في خطوة فوق العقل لأنها لا تحمل اية مسوغات منطقية، ففلسطين وعاصمتها القدس لا تزال محتلة ، فلماذا هذه الاتفاقية ؟ لو حاججنا دول الخليج بمواقفها من الكيان المغتصب ، فسنجد ان هذه الاتفاقية – لو عرفت النور – ستظهر الخليج يتنصل عن مواقفه التاريخية من القضية الفلسطينية والسلام مع الكيان ، فهى – أي المواقف – تشترط أولا تحقيق السلام العادل وفق القرارات الدولية ، فهل تحقق هذا السلام حتى يتم التوقيع على اتفاقية عدم اعتداء ؟

وقد ذكرنا في تجلياتنا الفجرية ان هذه الاتفاقية ستكون طعنة قاتلة لمشاعر وعواطف الشعوب الخليجية والعربية ، واكبر تحدي لإيمانياتها وذلك لمكانة القدس الدينية ، وقلنا كذلك ان القدس في أعماق القلوب والعقول لكل المسلمين في انحاء المعمورة ، وتوجهنا الى الله بان يمكن الأنظمة الخليجية من مقاومة ضغوطات ترامب ، وحذرنا فيها من زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الامريكية للمنطقة التي تستمر عشرة أيام .

وإدخال الدول الخليجية في هذه اللعبة القذرة الان وبعد صفقة القرن ، هي بمثابة مؤامرة لزعزعة استقرارها ، وجعل دواخلها منصرفة في انشغالاتها الذاتية وربما صراعاتها حتى يظل الكيان المحتل يتفرج على صراعاتها وتوتراتها وهو في مأمن عن اية تهديد خشن او ناعم .. ولنا في نماذج ليبيا والعراق وسوريا واليمن والسودان .. امثلة معاصرة للاستدلال بها ، تأملوا كيف شغلوها بدواخلها وبصورة رأسية أي بين الأنظمة وشعوبها ؟ فنجحوا في تحويل معادلة الصراع العربي الصهيوني في تلكم الدول من المحتل لفلسطين الى صراعات بين الشعوب وأنظمتها ، وقد يظهر الكيان المغتصب قريبا كمصلح بين الأنظمة وشعوبها ، وهذا من باب السخرية .

لا نرغب ان يتكرر تلكم النماذج العربية في منطقتنا الخليجية الامنة والمطمئنة ، وهذا لن يكون في صالح الغرب نفسه ، ومن ثم قد تأتي الاتفاقية على عكس مقاصدها ، فالجيواستراتيجي والاقتصادي للمنطقة الخليجية يحتم جعل داخلها مستقرا وبامتياز ، وبعيدا عن اية توترات داخلية ، ونلوح هنا بموقعها على البحار المفتوحة وممراتها الملاحية .. واستضافتها لقواعد عسكرية ومصالح اقتصادية غربية ضخمة .. فهل اتفاقية عدم اعتداء ستحقق لتلك المصالح الامن والاستقرار مثل ما هي الان ؟

ولن ننسى وجود منظمات إرهابية في المنطقة كداعش والقاعدة ، وإمكانية استغلال مشاعر وعواطف شعوب المنطقة المجروحة من قضية فلسطين عامة والقدس خاصة ، والمقهورة من تنصل أنظمتها عن هذه القضية ، ، فهذه الاتفاقية ، ستهيئ البيئات المواتية للإرهابيين لأسوأ الاحتمالات .. ولاحتمال التغرير بالشعوب وجذبها لتنظيماتها ، من هنا نقول ان هذه الاتفاقية قد تأتي بنتائج عكس مقاصدها ، فلا تصنعوا نتائج غير مضمونة قد تآكل الأخضر واليابس ، وتخلق حالة صداع دائمة في الخليج العربي قد تتلاقي معها اجندات إقليمية إيرانية وتركية مثلا .

ومن ثم ما الدافع الذي يقف وراء قبول دولنا الخليجية هذه الاتفاقية ، وهى تنادي منذ عقود أن السلام وحتى التطبيع مع العدو لن يتم الا بعد تحقيق السلام العادل ووفق القرارات الدولية ؟ نعلم حجم الضغوطات القهرية التي يمارسها ترامب وادارته على هذه الدول ، وهم يرون ان الظرفية الزمنية الراهنة تتوفر فيها كل عوامل ومعطيات جعل الكيان المحتل ضمن السياقات الطبيعية والمقبولة في منطقة الشرق الأوسط ، وبالتالي ، يعتبرون هذه فرصة لن يفوتوها ، وينبغي استغلالها بأقصى ما يمكن .

وهم بذلك يفكرون مجددا من قاع غبائهم ، فالقدس في أعماق قلوب وعقول الشعوب العربية والإسلامية ، لن تخرج منها الا اذا انتزع الإسلام منها ، ولن يتمكنوا ابدا ، فالدين باق ، وهم راحلون ، والله جل في علاه ، قد وعد عباده بالنصر ، لذلك القدس قضية ايمانية عقدية ، تحتل جوهر ايمان الفرد والشعوب ، ونتمنى ان لا ينجر خليجنا الى اللعب بالنار حتى لا تحرق الكل، فعامل الدين عند الشعوب ليست كبقية العوامل كالاقتصادية والمالية يمكن ان تقبل فيها الشعوب القهر والفقر ، أو تسكت على احتلال أراضيها من خلال القواعد العسكرية .. انها قضية ايمانية .. وشعور الشعوب بها له امتداد لما وراء هذا الوجود ، بل انه صلب الوجودين ” الدنيا والاخرة ” .

ولا يمكن نسخ نجاح نتانياهو في القارة الافريقية على منطقة الخليجية ، وهو نجاح قد بدأ فيه نتانياهو بمثابة زعيما للافارقة وفق تحليل عربي منشور ، وكذلك وفق متابعتنا لجولاته الأخيرة فيها التي أصبحت دولها – أي القارة الافريقية – محطات لتوسيع قاعدة التطبيع مع دولها ، واخرها كان مؤخرا مع السودان في اوغندا .

واهم من يعتقد ان نتانياهو يمكن ان يكون زعيما للشرق الأوسط الجديد ، وساذج من لا يرى في هذه اللعبة مؤامرة ستستهدف الدول الخليجية نفسها عاجلا ام اجلا ، فاطماع الصهاينة في الخليج لم يعد سرا ، فكيف تسلم الأنظمة بلداننا للصهاينة على طبق من ذهب ؟ وكيف تثق بمن لا ثقة فيه ؟

نعلم ان الأنظمة الخليجية على مستوى كل دولة تجد نفسها مكرة الان ، فكل واحدة منها قد عزلت للاستفراد بها ، وانعدمت خياراتها ، بحيث أصبحت في موقف لا يمكن فيها الرفض ، وهى من أدخلت نفسها في هذا المنحى ، ولم يظل الان من خيار امامها سوى التلويح بالرفض الشعبي والنخبوي الخليجي وتأثيره على مستقبل المصالح الامريكية والغربية ، بل يستوجب عليها صناعته إن ارادت أن تخرج نفسها من عنق هذه الزجاجة ، والتفكير كذلك في صناعة قوة داخلية تحصن ومواقفها وتنائ بنفسها عن اية اكراهات قهرية مستقبلية ، كتفعيل مجالسها البرلمانية ، وجعلها خط دفاعها الأول لمواجهة اكراهات ترامب المجنونة .

ولو تم توقيع هذه الاتفاقية ، سيدخل نتانياهو التاريخ الصهيوني من أوسع ابوابه ، بمعنى ان زعامته للشرق الأوسط ، سيكون متجاوزا ، وسيفتح شهية الصهاينة المؤسساتية لما هو ابعد من ذلك واكبر منه واعظم مما قد يتصوره أي سياسي ساذج او متواطئ منتفع مع العدو ، وسيدخلون المنطقة في مغامرات جديدة بل مجنونة ، وادعاءات الصهاينة بممتلكات واراضي وامكنة مقدسة في الجزيرة العربية .. تعطي لتصورنا ملامح واضحة للخطر المقبل الذي تؤسسه اتفاقية عدم اعتداء ، ومن يقرأ كتاب العودة الى مكة .. سيشعر بالخطر مثلنا .

فهذه الاتفاقية وراءها كذلك ابعاد امنية واقتصادية أخطر ، وهى تؤسس لمرحلة العودة الى مكة بل للمنطقة .. فلن تسلم ايد دولة في شبه الجزيرة العربية من مزاعم حقوقية لليهود ، وهنا منطقة وعي نرفع منسوبها حتى لا يقع الفأس ” الاتفاقية ” فوق الراس ” كواقع ” وهم يفكرون في المستقبل ، والقريب منه ، وذلك عندما يتم افلاس الدول الخليجية وافقار شعوبها ، وسيطرة الأقلية الاسيوية على دول المنطقة ،وهذه السيادة لو تأملنا فيها تسير بخطى تصاعدية ومتنامية في ظل اختلال ديموغرافي ” سكاني ” واقتصادي ومالي – سيكون لنا مقال حول هذا الموضوع – ان شاء الله .

وللأسف ، وبإرادات خليجية ، يتم صناعة تلكم البيئات عن طريق الاستعانة بأهم اداتين استعماريتين هما صندوق والبنك الدوليين الذين يركزان على المساس بالمكون الديموغرافي لتفريغه وجعله موات لتحقيق مثل تلكم الاجندات ، اننا فعلا في مفترق التحولات الكبرى .. في ظل تلكم الظروف وفي ظل استعداد نخب مؤثرة في صناعة القرار الخليجي على المساهمة في تحقيق تلكم الاجندات رغم علمها بها ، الا أنها لا تملك سوى ان تكون جزءا فاعلا في تحقيقها لأنها من صناعتها – أي تلك الاجندات –.

لا تزال الأنظمة الخليجية تملك إمكانية الرفض ، وصناعة رأي عام داخل كل دولة ، هو اهم الأسلحة بيدها ، وعليها مقاومة المتواطئون من داخلها بالقدر الذي يمكن ان تقنع فيه وزير الخارجية الأمريكي في زيارته القريبة للمنطقة بخطورة هذه الاتفاقية على مصالح واشنطن الاستراتيجية الدائمة في الخليج خاصة الان في ظل انتشار إيراني مباشر وغير مباشر في المنطقة ، وبروز الصين كقوة عالمية لها أطماع كبيرة فيها ، ووجود قوى الإرهاب من حولها وقد يكون في داخلها ” نائمة ” ، والاحتمالية الكبيرة من إعادة تموقعاتها عبر كسب منتميين جدد لها ، واحيائها من قبل دول إقليمية مستهدفة من هذه الاتفاقية .

وكيف ينطوي على وعيينا الخليجي البناء السياسي الغائي – الظاهر – لهذه الاتفاقية ، فاستهداف طهران لا ينطوي على العقل ، فهل سيحارب الكيان المغتصب بالإنابة او شراكة مع الخليج عن دول الخليج ؟ هذه الاتفاقية تثير مشاعر الاستياء لشعوب المنطقة ، ونحذر من تقاطع هذه المشاعر مع احتقانات جيل الشباب الذي يجرد منذ عام 2014 من اهم حقوقه الأساسية ، فكيف اذا ما دخل راس المال الصهيوني لكل دولة منها ، والاتفاقية تمنحه هذا الدخول من بابين كبيرين هما مكافحة الإرهاب وتأسيس علاقات اقتصادية بينية كبيرة مع الدول الخليجية ، تفاؤلنا لا يزال يرهن على الرفض الخليجي لهذه الاتفاقية رغم بشارة المسئول القطري بتوقيها ، لكل الأسباب المذكورة سابقا .

حمد بن جاسم الإمارات السعودية القدس عبدالله باحجاج ترامب غور الأردن صفقة القرن مجلس التعاون قطر نتنياهو واشنطن فلسطين

أخبار ذات صلة