مفاهيم اقتصادية | «الاقتصاد الدائري».. الورقة الرابحة لإعادة التدوير

تاريخ النشر: الإثنين مارس 9, 2020 10:08 مساءً

كان النهج الطبيعي للإنتاج والاستهلاك على مدى عقود كالتالي: «خذ، اصنع، استخدم، تخلص»، حيث تأخذ الشركات المواد الخام وتحولها إلى منتجات، يتم شراؤها من قبل المستهلكين، الذين يرمونها في النهاية، مما ينتج عنها نفايات.

ولكن مع تزايد التحذيرات حول تغير المناخ والتدهور البيئي، بدأ الناس في تحدي استدامة هذا النموذج. يزعم العديد من قادة الأعمال والحكومات، بما في ذلك الصين واليابان والمملكة المتحدة، أنه يتعين علينا التخلي عن هذا النظام الخطي (الاقتصاد الخطي) لمصلحة ما يسمى بالاقتصاد الدائري المتمثل في الاستغلال والتصنيع والاستخدام وإعادة الاستخدام مرارا وتكرارا.

الاقتصاد الخطي
الاقتصاد الخطي هو نظام غير فعال ومكلف ويستنفد المواد الطبيعية. فالأنشطة التعدينية في الذهب والفحم يمكنها تدمير النظام البيئي بأكمله للمناطق المحيطة بالمناجم. ويتطلب تصنيع الفولاذ من خام الحديد كميات كبيرة من الطاقة التي ينتج عنها غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يتسبب في زيادة درجات الحرارة على سطح الأرض.

المنتج الثانوي في إطار النموذج الخطي للاقتصاد هو النفايات الناتجة عن عملية التصنيع والتي تحتاج إلى مساحات للتخلص منها، وقد تحتوي على ملوثات للبيئة. وتنتهي تلك النفايات في أماكن غير مرغوب فيها. فعلى سبيل المثال، وما تسمى بـ«رقعة نفايات المحيط الهادئ العظيمة» هي أكثر الأمثلة المعروفة عالمياً للتلوث البلاستيكي.

ويمكن إعادة استخدام المنتجات المعدنية والبلاستيكية عن طريق إعادة تدويرها والتجديد للحصول على القيم غير المستغلة لهذه النفايات. بالطبع لا يمكن تحقيق اقتصاد دائري كامل؛ أي من دون هدر أو من دون استخدام مواد جديدة على الإطلاق، ولكن يمكن الضغط لاستخدام الحد الأقصى من النفايات الناتجة عن النظام الخطي للحد من استهلاك الموارد الجديدة.

الاقتصاد الدائري
الفكرتان مرتبطتان ولكن ليستا متشابهتين، لقد ظهرت عبارة الاقتصاد الدائري في عدة مؤلفات اقتصادية في الثمانينيات، وتستخدم في الوقت الحالي للتعبير عن منهج أكثر تنظيماً وطموحاً من إعادة التدوير. فعلى سبيل المثال، يحتاج مصنعو الزجاجات البلاستيكية إلى دمج بعض البلاستيك المعاد تدويره مع المواد الخام الجديدة لضمان جودة المنتجات. ولكن الاقتصاد الدائري في المقابل يقوم على عدم دخول أي مدخلات لخامات جديدة على الإطلاق مما يقلل من الانبعاثات والنفايات والتكاليف في النهاية.

وبعض الصناعات تقترب بالفعل من ذلك، مثل صناعة السيارات على سبيل المثال. ولكن ما زال أمام البعض الآخر الكثير، فمثلاً نجد أن 97 في المئة من المواد المستخدمة لتصنيع الملابس جديدة، و73 في المئة من تلك المنتجات يتم حرقها أو تنتهي إلى مكب النفايات.

تلك الفكرة ليست مستحدثة، فإبان الحرب العالمية الثانية تم الترويج لشعار «make do and mend»، الذي يعني: استخدم ما لديك وأصلح ما يعطب بدلاً من شراء أشياء جديدة، وذلك لتشجيع إنتاج أقل قدر من الهدر.

شكوك النجاح
هل توجد شكوك في نجاح الاقتصاد الدائري؟ بالطبع نعم، فتصميم دورة إنتاج مكتفية بالكامل أمر يستحيل حدوثه تقريباً، فلا بد من وجود مدخلات جديدة ووجود نفايات أمر حتمي. فمثلا، إعادة تدوير الورق مراراً وتكراراً ينتج عنها منتج ذو جودة منخفضة. بالإضافة إلى أن التكاليف المقدمة للتحول إلى اقتصاد دائري مرتفعة؛ لأنه يتطلب إعادة تصميم المنتجات لتصنع من خامات معاد تدويرها.

تقدر المملكة المتحدة تكلفة التحول إلى الاقتصاد الدائري بحوالي 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تؤدي المخاوف من تلك التكاليف إلى قيام الشركات بتعديلات سريعة بدلاً من تبني ممارسات مستدامة على المدى الطويل.

وهناك اتجاه عالمي تقوده شركات السيارات مثل «تويوتا» و«بي ام دابليو» و«جنرال موتورز» لإنشاء سوق لبطاريات السيارات المستعملة والتي يمكن استخدامها لتبريد المشروبات في متاجر «سفن الفن» في اليابان أو لتخزين الطاقة الشمسية في الكاميرون.

كما تقدم شركة «رينت ذا رانواي» الناشئة في نيويورك خدمة تأجير ملابس مشاهير المصممين للمناسبات مثل حفلات الزفاف والحفلات، مما يسمح للعملاء بتفادي عمليات شراء الملابس أحادية الاستخدام، بينما تكسب الشركة ما قيمته مليار دولار.

الإجراء الأكثر ملاءمة
تكوين سلاسل توريد أكثر دائرية. ويعني ذلك استخدام مواد خام معاد تدويرها في الإنتاج، وتمديد دورة حياة المنتج، وتحسين إعادة الاستخدام في نهاية حياة المنتج. قامت شركة «تيرا سايكل» لإعادة التدوير بولاية «نيو جيرسي» بإطلاق مبادرة «لووب» مع عدة شركات مثل «نستله» لإنتاج منتجات معبأة في عبوات يمكن إعادتها للشركة لإعادة ملئها مرة أخرى مثل المثلجات.

ماذا تفعل الحكومات؟
تحاول الحكومات دفع المستهلكين والمنتجين نحو اقتصاد أكثر دائرية. فعلى سبيل المثال، تقدم الحكومة الألمانية منحاً لتصميم منتجات ذات تأثير بيئي أقل أو رخيصة التصليح. وفي تشيلي، قالت الحكومة إنها تهدف إلى جعل كل البلاستيك قابلا لإعادة الاستخدام. وتستثمر هولندا 40 مليون دولار في صندوق خاص سيبدأ في تمويل الزراعة التي لا تقوم على حساب الغابات. ويوجد لدى المفوضية الأوروبية خطة تنفيذية للاقتصاد الدائري، تشمل تحويل الطريقة التي يتم بها إنتاج المنتجات البلاستيكية وإعادة تدويرها. وهذا الأمر أيضاً هو جزء من خطة الصين الخمسية.