كيف يمكن لبلادنا تطويع أزمتي كورونا والنفط ؟

منذ ٣ أيام
تاريخ النشر: الخميس مارس 26, 2020 7:53 مساءً

كيف يمكن لبلادنا تطويع أزمتي كورونا والنفط ؟

بقلم د. عبدالله باحجاج

لن نثق في تحليلات المؤسسات الغربية بشان مستقبل النفط ، فهى تضع السم في كل تحليلاتها التشاؤمية تزامنا مع اندلاع الازمات ، مثل الازمة النفطية الان ، ففي منتصف عام 2014 ، رفعوا الضغط على الدول النفطية باحتمالية هبوط أسعار النفط الى ما دون العشرة دولارات ، مما جعل من الدول الخليجية اتخاذ سياسات مؤلمة اجتماعيا واقتصاديا ، ولا تزال تؤثر على المجتمعات حتى الان ، غير ان هذه الدول قد وجدت نفسها ترتمي الان في مستنقع الصندوق والبنك الدوليين .
والان ، يكررون السيناريو ذاته ، ويتوقعون تهاوي أسعار النفط الى خمسة دولارات ، هذا الحديث يتجاهل مصالح الشركات النفطية العالمية ، واستراتيجية مصالح الدول الكبرى في نفوط أوبك والدول الأخرى المستقلة ، ويتجاهلون كذلك تأثير الشركات النفطية العالمية على صناعة القرار داخل عواصم الدول الكبرى ، فوصول الأسعار الى تلكم المستويات يعني اغلاق الابار النفطية وافلاس الشركات الكبرى ، لذلك ، فتحليلاتها التشاؤمية هو من قبيل التهديد بممارسة المزيد من الضغوطات على الدول النفطية حتى تلزمها بتطبيق بقية اجندة صندوق النقد الدولي كضريبة القيمة المضافة وتسريح الاف من المواطنين .
ولا يخفي الهدف من ذلك ، وهو انهيار الأنظمة الاجتماعية في الدول النفطية ، وعلى وجه الخصوص الدول الخليجية بسبب فقدان الوظائف او تقليص حجم المرتبات سواء عن طريق إحالة التقاعد الاجباري أو التسريح ، لان الانهيار سيشمل الطبقة الوسطى المستهدف من قبل الحركة الصهيونية لعدة أسباب تناولناها في مقالات سابقة ، وكل من يتابع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ورئيس وكالة الطاقة الدولية المتزامنة الليلة الماضية ، سيتضح له التأثير العكس للمصالح العالمية عامة والأمريكية خاصة من انهيار الأسعار ، وسيتضح له كذلك أنه ان الأوان لارتفاع الأسعار النفطية .
فالمسئولان الأمريكي والدولي ، يلقيان بمسئولية الانهيار على الرياض ، ويحملانها المسئولية التاريخية مع موسكو ، وهذا في حد ذاته كافيا لقرب ارتفاع الأسعار ، لان السياسة وراء الانهيار الجديد للأسعار ، وعودتها ستكون سياسيا كذلك ، لكن وفق مستويات سعرية تحدد من واشنطن ، وقد كشف عنها الخبراء الامريكان ليلة امس بانها تتراوح ما بين ” 55- 60 ” دولار للبرميل ، واعتبروا أن هذا سيكون في مصلحة النفط الصخري الأمريكي .
لكن ، دعونا نأخذ التوقعات التشاؤمية بعين الجد ، وننطلق منها الى ما يستوجب القيام به فورا في ضوء اندلاع ازمتي كورونا والنفط ودروسهما حتى الان ، وهى انغلاق الدول صغيرها وكبيرها داخل حدودها ، وسيادة الانعزالية الدولية بدلا عن التضامن الدولي ، وانكفاء اكبر دولة في العالم ” أمريكا ” على ذاتها ، وتخليها عن حلفائها التي تستعين الان ببكين وموسكو .
اول ما ينبغي القيام به ، إعادة النظر في تفكيرنا الاستراتيجي من جهة ، وفي المدى الزمني لإصلاحات البلاد الجديدة من جهة ثانية ، وذلك باتجاه اعتمادها الغالب على داخلها أولا عبر الانتصار لاستراتيجية الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية والطبية وغيرها من الاحتياجات الاحتياجات الأساسية .
فازمة كورزنا تعطينا هذا الدرس ، فكلما تتوفر للدولة الاكتفاء الذاتي كلما شكل ذلك حصنها المنيع وقت الازمات ، لكن ، كيف نحقق اكتفاءنا الذاتي بعيدا عن هاجس النفط وتقلباته ؟

أولا : إعادة البوصلة فورا نحو الداخل .
تابعنا كيف منعت الدول الكبرى عمليات التصدير بعيد اندلاع ازمة كورونا على أراضيها ، وكلنا شهود عيان على القلق الذي ينتاب حتى الان الشعوب على لقمة عيشها ، ولن تنسى ذاكرتنا ، كيف تشحت أمريكا الكمامات من عواصم العالم عبر سفاراتها ، من هنا ، تكون البداية لبلادنا ، وهى الرهان على داخلها أولا ، ففيه من المقومات والامكانيات ما يحقق لنا الاكتفاء الذاتي لسلة غذاءنا وللخليج كذلك ، حيث قطاع الزراعة والاسماك جاهز على الفور ، ويمكن للثروة الحيوانية كالابل من إقامة صناعات للسوق المحلي وعالمية ، ولا تحتاج لخطط متوسطة ولا طويلة الاجل ، وانما لسياسات قوية ، وإرادة سياسية ، وايادي وطنية .
وهناك الثروة المعدنية التي تصدر للخارج كمواد خام بسعر التراب ، ولا تستفيد منها خزينة الدولة ، ومن المؤسف جدا ، مشاهد بيع الأحجار بالكيلو في بعض موانينا لمصانع إقليمية مجاورة ، فهى تحتاج لقرار فوري يمنع خروجها كمواد خام ، عندها سنشاهد تسابق المصانع على افتتاح فروع لها في بلادنا مع ما يصاحبها من قيمة مضاعفة لصالح المشاريع الصغيرة والمتوسطة .
وهناك كذلك موقعنا الجيواستراتيجي الذي ينبغي ان نطوعه لكي تستفيد منه خزينة الدولة بفوائد أكبر مما هي عليه الان ، فهناك دولة إقليمية في القرن الافريقي يشكل ايجار القواعد العسكرية فيها ثلث دخلها القومي ، وفي ضوئها سينكشف لنا الاغراء المالي لقطاع اللوجستيات في بلادنا .
والقطاعات الثلاثة سالفة الذكر هي مضمونة النتائج ، وبعيدة كل البعد عن تأثيرات الازمات الصحية والنفطية ، ويمكن ان تشكل البداية الفورية لدروس الازمتين النفطية والصحية على ان تكون بقية القطاعات في رؤية عمان 2040 ضمن نهجها المخطط لها ، هاجسنا هنا فقط هو الاعتماد على الموارد الطبيعية والبشرية الداخلية من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي حتى نناى ببلادنا عن سياسات الابتزاز التى قد تتعرض لها من بعض الدول المنتجة للغذاء، ورسم مستقبل أكثرا أمانا لها ولشعبها.
وهذا التحول سيسهم بصورة إيجابية وتلقائية في سياسة تنويع الاقتصاد العماني بصورة أكثر عملاتية وواقعية ، من هنا ، سنقول رب ضارة نافعة ، وهى كذلك ، اذا ما سارعنا في تطويع الازمتين كورونا والنفط لصالح احداث نهضة في القطاعات المضمونة النتائج كما سلفنا اليه سابقا .

ثانيا : حتمية إعادة هيكلة الاتفاق الحكومي .
من الأهمية هنا القول أن الموازنة السنوية للدولة لن تتحمل الانفاق غير المبرر او المظهري للوزراء وبقية المسئولين ، كالسيارات الحكومية والمباني التي تستأجرها الوزارات بالملايين ، والمخصصات الكبيرة لبعض الوحداث الحكومية .. وكذلك أوضاع الشركات الحكومية وتحديدا مرتبات قياداتها المبالغ فيها والامتيازات الأخرى التي لها طابع مالي مجاني ، وقد أوضحنا في مقال لنا ورقيا ان من هذه المسارات ، ينبغي ان نبدأ في حل إشكالية انخفاض أسعار النفط ، قبل ان نؤثر بسياسات يروج بها البعض على نظامنا الاجتماعي ، وهنا للأسف منطقة وعي سياسي منخفضة المستوى ، فكيف يمكن حل المشكلة المالية للدولة على حساب انهيار النظام الاجتماعي ؟ حتى الدول الليبرالية عراقة لم تحطم هذه الابعاد الاجتماعية ، فكيف يطلب من بلادنا تحطيمه ، وهى الأولى بها بل هي قائمة عليها ؟
لذلك نشدد مجددا على ان إعادة أوجه الانفاق العام للوزارات والوحدات واللجان والهيئات ضمن اصلاح الهيكل الإداري للدولة ، هو له الأولوية ، ولا يمكن تخطيه قفزا ، والمساس بالابعاد الاجتماعية ، فهذا كمن يريد اشعال الاحتقانات الاجتماعية ، وضرب قوة المنظومة الاجتماعية بولاءاتها الفوقية والرأسية ، وهذا لن يحدث في العهد الجديد ، لأنه قد قام شرعيته السياسية على مبادئ النهضة العمانية التي أسسها الراحل المغفور له بمشيئة الله .

ثالثا : الصندوق الوقفي الصحي .
تلقى هذا الصندوق قبل قليل دعما ماليا وسياسيا كبيرين من لدن عاهل البلاد حفظه الله ورعاه بعد ان تبرع له بعشرة ملايين ريال عماني ، وهذه المبادرة ينبغي ان تدفع ببقية الاثرياء الكبار من مختلف المستويات والمواقع الوظيفية الحكومية والرسمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الى الاقتداء بها للتعبير عن تضامنهم مع الدولة والمجتمع في هذه المحنة الكبرى ، وهنا ينتظر منهم المجتمع مجموعة مبادرات كبيرة تخرجهم عن صمتهم ، ويحس المجتمع بعضوية تفاعلهم معهم ، وذلك اسوة بمبادرات اهلية وخاصة تتسابق الان لكي تسجل دورا لها باحرف من نور .
وربما علينا أن نتحفظ على بعض اهداف هذا الصندوق ، والتي خصصت لمواجهة كورونا وكذلك لتطوير الخدمات الصحية ، فالتطوير من مهمة الحكومة بامتياز ، ولا ينبغي ان ترفع يدها عنها ، والرؤية الصحيحة له ، أن تخصص موارد الصندوق بعد تجاوزنا هذه الازمة لإقامة مؤسسة بحثية متقدمة للوبائيات ” الفيروسات ” من جهة ولإقامة مصانع تؤمن لبلادنا الأساسيات الطبية من جهة ثانية ، وهناك مفهوم اجتماعي خاطئ عن هذا الصندوق ، يذهب الى حصرية الصندوق لوباء كورونا ،وقد احدث لغطا غير من مساره الصحيح ، فالصندوق سيكون مؤسسة استثمارية – أي ربحية- تضمن عوائد مستدامة لقطاع الصحة ، وهذا نهج نؤيده ، لكن من منظور تبرعات القطاع الخاص والشركات الكبرى والاغنياء في المجالات المشار اليها سابقا .
مع التشديد هنا على غرض الأبحاث وإقامة المصانع الدوائية للاكتفاء الدوائي والطبي الذاتي ، أو على الأقل تأمين المستويات المعقولة منه ، فهذه المجالات الحصرية هي التي يفتح لها التبرعات لمساعدة الحكومة ، للتخفيف عليها أعباء مثل هذه المجالات التي تتطلب مهنية وتخصصية عالية المستوى ، لمواجهة مستقبل مخاطر الفيروسات ، أما ان نسحب من الحكومة مسئولياتها الوطنية ، فلا ينبغي أن يكون الصندوق بديلا عنها .
بينما ينبغي ان يكون هناك محتوى اخر ، اجتماعي خالص كالجمعيات الخيرية ، التي ينبغي ان تحرك المبادرات الاجتماعية تجاهها ، ولدينا تجربة ناجحة في هذا المجال ، لكنها محدودة ، وتحتم التوسع فيها ، ماهية وعدديا – لدواعي استنهاض الشريك الثالث ” القطاع الاهلي ” ودوره في مرحلتنا الوطنية الجديدة ، فالدور الجديد للدولة في الحياة الاجتماعية خاصة في ظل الازمات والتحولات المقبلة ، لن يتمكن من تغطية كل الاحتياجات الاجتماعية ، من هنا ينبغي السماح باقامة جمعيات جديدة في محافظات البلاد للحد من الاختلاف بين الطبقات الاجتماعية ومكافحة الظواهر ودعم المجتمعات في الحفاظ على منظومتها القيمية والاخلاقية من حالات الاغتراب التي تستهدفها .
*وسيكون لنا في مقالات مقبلة تفاصيل لبعض القضايا التي تعرضنا لها سريعا في هذه المقال ، وتستحق منا وقفات معمقة .

أزمة النفط أسعار النفط عبدالله باحجاج مقالات كورونا فيروس كورونا

أخبار ذات صلة