"أوراق الخريف" بداية الغيث والبحث عن بدائل

تاريخ النشر: الثلاثاء يونيو 9, 2020 3:19 مساءً

لا جدال في ان السلطنة حققت وشهدت انجازات وتطورات ضخمة خلال الخمسين عاما الماضية التي تعد بمثابة المرحلة الاولى من نهضتها المباركة في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ  واستمرارا لذلك فان الاوامر السامية والتوجيهات الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم هي من اجل استمرار هذه النهضة ولبناء عمان المتجددة في مرحلتها الثانية لنهضتها المباركة ، بعد ان طرأت الكثير من المتغيرات الاقليمية والدولية والاقتصادية والمالية.
 
أصبحت السلطنة اليوم دولة مؤسسات، واساسها قويا ولا ينقصها شيئا، وما يصرف على البنية التحتية من موازنة يحتاج اعادة النظر فيها ، وللحفاظ على هذه المشاريع والمؤسسات يتطلب مواءمتها مع المرحلة الجديدة ومتطلباتها ، ومع المتغيرات العالمية والاولويات الاجتماعية والاقتصادية وموازنة ذلك مع متطلبات المجتمع ورفاهية المواطن العماني وديمومة التنمية التي تعد من اولويات المرحلة الثانية للنهضة المتواصلة والرؤية الجديدة بعد اكتمال دولة القانون والمؤسسات ودون التاثير على الوضع الداخلي الذي ظل وسيظل متماسكا وقويا خلف القيادة الرشيدة.
 
وفي ضوء ذلك فان هناك حاجة شديدة لايجاد حلول جذرية وواقعية للمعضلة المالية والاقتصادية التي تحدث عنها السلطان الراحل وتاكيده على تنويع مصادر الدخل، وجلب الاستثمارات الخارجية، وجانب من المعضلة يتمثل في الاساس في الجمع بين قوى مؤثرة على الاقتصاد والتجارة وبين الوظيفة أحيانا الى جانب ضعف بعض المؤسسات في القيام بواجبها على اكمل وجه وغيرها.
 
فلا يعقل ان تظل المؤسسات والهيئات الحكومية مستاجرة لمبان وبهذه المبالغ الباهضة ، ولسنوات عديدة دون حلول ، ولا يعقل ان  تظل الشركات الحكومية وعددها اكثر من مائتي شركة بهذه الوضعية والخسائر في بعضها دون ان نحرك ساكنا ، وتقليصها لنحو 50 شركة مربحة ومجدية افضل من العشرات منها لا تسمن ولا تغني من جوع بل تزيد من الأعباء .. ولا يعقل ان انسمع ان هناك فساد ما ، والرقابة المالية والادارية لا تحرك ساكنا.!.
 
لذا وضع جلالة السلطان هيثم ـ اعزه الله ـ يده على الجرح وبدأ في الطريق الصحيح لتاتي التوجيهات السامية وماقبلها تباعا بشأن تقليل المصروفات والانفاق بصورة ملموسة وهناك ما يتطلب ايضا فعله من خلال فتح الاسواق للمستثمرين والشركات الكبرى وروؤس الاموال ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل القوانين والاجراءات وفتح الاسواق للعمالة الوطنية والوافدة ، وكل ذلك سيؤتي ثماره آجلا او عاجلا.
 
ولكن كيف يمكننا ايجاد قاعدة صلبة للاقتصاد والتنمية، في ظل استمرار الازدواجية في المناصب وتعدد الوزارات؟ وكيف يمكن مواجهة العقبات الراهنة والقادمة في ظل قوانين وقواعد واضحة لا تطبق احيانا ، وكيف سننجح وتجد وزيرا يتولى عدة لجان ورئاسة مجالس عدة شركات ومسؤوليات. والا كيف تم اختلاس ملايين الريالات من موازنة وزارة هامة نحتاج لها في بناء وتاهيل الاجيال القادمة.!
 
فالسلطنة لديها طاقات وكفاءات وطنية وثروة لا تقدر بثمن من الهمم العالية من أبنائها في كافة أرجاء المعمورة ، وكم من شركة حكومية نجحت بقيادة عمانية ، وكم من مسؤول ناجح استطاع النجاح في القيام بمسؤولياته ، وكم من شركة خاصة نجحت في توسيع تجارتها وفتح اسواق لها خارجيا ، وكم وكم ، فلا توهمونا بالخواجة وقدراته الفذة فلدينا كوادرنا المتميزة القادرة بمواردنا ان تغطي نفقاتنا دون الاضرار والاخلال بالتوازن الاجتماعي.
 
واعتقد ان مباديء حوكمة الشركات تتطلب اعادة النظر فيها لتواكب العصر الحديث فهي تحتاج لقوانين تواكب المتغيرات العالمية ، فكيف يعقل ان يرتفع حجم الشركات بهذه الصورة خلال العشر السنوات الاخيرة ، وكل شركة تولد منها عدة شركات ، والشركة الام خاسرة والبعض منها لا يستطيع تغطية نفقاته ومصروفات موظفيها، وتكلف خزينة الدولة ملايين الريالات، ونقول بان المديونية ازدادت ، فالانتاجية هي المعيار الاول اليوم وغدا.. وارباح الشركة لمليون لا يقارن مع ربح المائة مليون ريال.!.
 
مشاريع حكومية ، تاثرت ولعبت فيها ايادي الفساد ، وتسببت في زيادة العجز العام ايضا ، وجائحة كورونا تخلف اثارا اقتصادية واجتماعية على المواطن والمقيم ، لذا علينا الاستفادة من مقترحات وتوصيات مجلس الشورى في دورته الماضية فيما يخص واقع الشركات الحكومية والرجوع اليها للاستفادة منها في تصحيح هذا المسار الشائك والذي نال نصيبا من البحث والمناقشات.
 
فهذه الشركات وغيرها من المؤسسات الرابحة التي تم تخصيصها يجب ان يعاد النظر فيها ، ومن هنا فان الامر يتطلب تفعيل التشريعات وقواعد المحاسبة والجهات الرقابية لتكون اسم على مسمى في هذه المرحلة الهامة التي نمر بها ويمر بها العالم من حولنا وزيادة الانفتاح الاعلامي واعادة هيكلة الجهاز الاداري للدولة ليواكب تطلعات المرحلة القادمة.
 
فالمشكلة ليست في رفع رسوم او تقليل مصاريف او انهاء خدمات موظفين قبل موعدهم والتي سيكون لها تبعات اجتماعية عديدة حيث ستعاني كثير من الاسر نتيجة ذلك اذا لم تتبعه قرارات بتوحيد صناديق التقاعد وتوحيد مميزات التقاعد لكل الوحدات الحكومية وغيرها…المشكلة في قصور ومحدودية الخيارات احيانا. فالتقاعد الاجباري سيؤثر على الأداء والإنتاجية والخبرة مطلوبة في الصحة والتربية والاعلام والمالية والخارجية والداخلية وغيرها من الوزارات.  وكان بالإمكان إعطاء الموظف فرصة سنتين لتجهيز نفسه لهذا الامر، فليس كل موظف قادر على التأقلم مع هذا القرار وهو لم يكمل 60 عاما في العمل، فما بالك بموظف لديه سته أبناء ما زالوا يتلقون التعليم ولديه قرض بنكي منزلي واخر لسيارة وجمعيات وليس له دخل اخر غير راتبه ؟ وما بالك بموظف خسرت الدوله على تاهيله وتدريبه اكثر من ربع مليون وغيره الكثير من الكفاءات التي ستخسرها الدولة..!
 
واذا سلمنا بان 30 في المائة لا يشملهم التقاعد وهم من صغار الموظفين ، فكيف يكون ذلك ، وفي العالم يبحثون عن كبار الموظفين للعمل معهم والاستفادة من خبراتهم ، حسب الدراسات العلمية في هذا المجال ، فكنت أتمنى من اللجنة ان تأخذ البعد الإنساني قبل رفعه للمقام السامي ، فهؤلاء لا يتحملون إخفاقات الاخرين في إدارة الازمة المالية ، فهذا الجيل الذي اصبح قريبا من سن التقاعد ضحى وصبر سنوات دون ترقيات ، وتمسك بالامل ان تاتي الانفراجة اجلا او عاجلا ، فكل شيء يتطور ويتقدم ويغلى ، ولا ترجع الأمور للوراء ، لذا الامتيازات التقاعدية ضرورية لمواجهة غلاء المعيشة ولتربية الأجيال القادمة.
 
ونتوسم بجلالة السلطان هيثم المعظم خيرا كثيرا ، وقرارت جلالته هي بداية الغيث من انشاء المكتب الخاص وما سيقوم به من دور تنموي  وتطوير وتنفيذ لرؤية عمان 2040 ، مع إعادة هيكلة الدولة ، فالمرحلة الراهنة تحتاج بالضرورة الى كل ذلك وايضا لتعليم قوي ومخرجات ممتازة في الطب وفي مختلف التخصصات ، كما نحتاج الى اقتصاد مستدام وعائد قوي .. لهذا ينبغي إصلاح كل هذه المنظومات لكي نتمكن من تبني الآليات الناجعة وتحقيق أهداف وتطلعات القيادة الحكيمة دون المساس بالمزايا والمنافع العامة التي يتمتع بها المواطن من وظيفته ودخله الوحيد ، والله من وراء القصد.

*
د. احمد بن سالم باتميرا
batamira@hotmail.com

احمد بن سالم باتميرا السلطان قابوس السلطنة عمان هيثم بن طارق