"أوراق الخريف".. التقاعد وتبعاته القادمة!

تاريخ النشر: الأربعاء يونيو 17, 2020 9:30 صباحًا

من يتابع ردود أفعال التسريح او التقاعد الاجباري لموظفي الدولة ممن اكمل 30 عاما ، يجد أن هناك لبسا ما في معرفة نتائج وآثار هذا التقاعد المبكر على كثير من الموظفين البسطاء وذوى الدخل الضعيف، يشبه تسونامي هز كيانات اسرية فجأة نتيجة الاوضاع المعيشية والسرعة الشديدة في التنفيذ دون سابق انذار، الا اذا تبعتها قرارات ما للتخفيف مثل رفع مكافاة نهاية الخدمة المدنية للضعف لهذه الشريحة من المجتمع التي ساهمت واسهمت في بناء الوطن خلال 50 عاما من عمر النهضة المباركة.

بالتأكيد نمتثل للتوجيه السامي ونقدره ونلتزم به فأمر جلالته مطاع ، غير ان الإحالة للتقاعد ربما لم تضع في الاعتبار مسألة غلاء المعيشة والالتزامات التي تزداد تعقيدا والطلبات الاسرية والدراسية وزيادة الأسعار والجيل الخامس الذي يتطلب اموالا واموالا للحاق به ، فالحياة لا تعود للخلف ابدا ولا الاسعار كذلك ، وتصحيح الاوضاع المالية لا يتحتم ان يتم بهذه الطريقة التي ستؤثر على اسر عديدة برمتها والتي ستحرمنا كمجتمع من الاستفادة من خبرات وكفاءات وطنية في أوج عطائها في مختلف الوزارات والجهات الحكومية.

بالتاكيد نعلم حقيقة الازمة المالية وتأثيراتها ، ونعلم آثار التقاعد الاجباري النفسية والاجتماعية لانها الاكبر والاكثر الما ، فالمال يمكن ايجاده ، اما المواطن الكفء ذو الخبرة لا يمكن تعويضه ، فمن يتحمل تبعات هذا التقاعد.. هل الموظف البسيط الذي سيعاني الامرين اجتماعيا وماليا..!

الازمة المالية تحتاج لحلول وتخطيط واستغلال للموارد المتاحة والبحث في أسبابها من اجل قيادة السفينة حتى تصل الى بر الامان اليوم او غدا بسلامة وامان وازدهار وبدون تضرر أي من ركابها الذين يتعايشون منها ربابنة كانوا أو مساعدين او ركاب ، فالجميع يتحمل آثار الموج العالي والرياح العاتية ويقوم بدوره للحفاظ عليها.

ودون ان نخسر موظفا وصل للكمال او اقترب منه في عمله ، سواء كان سفيرا او قاضيا او طبيبا او مهندسا او مذيعا او فنيا او محاسبا او إداريا او.او .. كيف يعقل ان تنفق الدولة على مواطن ليتعلم ويتدرب وتزداد مهاراته في تخصص ما عشرات الالاف من الريالات او اكثر من ذلك أو اقل ، وبعد ان تنضج خبرته يتم احالته للتقاعد دون سابق انذار، او إبلاغه بانه سيتم احالته للتقاعد بعد عام او عامين من الان.

من المهم الحفاظ على الكفاءة الوطنية ، فهي حاجة ضرورية وملحة في كل المجالات ، والخير سياتي ، لان الوطن به خيرات كثيرة ، وجلالة السلطان هيثم ـ حفظه الله ورعاه ـ وضع اليد على الجرح وبدا في التصحيح للملمة وشحذ الامكانات بمراسيم سلطانية وتوجيهات سامية ، والتي ستاتي ثمارها دون المساس أو التاثير على معيشة  الفرد. فمن سيدفع القسط الاكتواري للبنوك ، هل الحكومة ام المواطن البسيط من خلال مكافاة ما بعد الخدمة التي لا تتجاوز راتب سنة.

ثقتي بجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم كبيرة للنظر في القرار والموظف البسيط المتقاعد ، لان الحلول كانت متاحة ويمكن تطبيقها دون اللجوء لهذا القرار المفاجيء ، فالتكلفة المالية المرتفعة لتطبيق قانون التقاعد المبكر سيرهق خزينة الدولة في هذه الفترة بالذات. وسيرهق بعض الجهات الحكومية التي هي في حاجة لكفاءاتها الوطنية.

اما المؤيدون للتقاعد المبكر ، اما يعيشون عيشة رضية ولديهم دخول اخرى، لهم ولابنائهم ، ونسوا او تناسوا ان هناك موظفين سيتاثرون بالقرار لعدة أسباب اجتماعية ومالية والذين سيعانون من هذا الامر، وهم في عز شبابهم وخبرتهم ، فالمؤشرات العالمية تؤكد ان إحالة الموظف للتقاعد في سن 50 عاماً ، يعتبر إهداراً للمال والخبرات. ونحن نتحدث عن قدرة الفرد على مواصلة العمل لسن 60 عاما واكثر في بعض الدول العربية والأجنبية ، مما يوفر النفقات ويزيد الإيرادات، فمعالجة التقاعد كانت تحتاج إلى آليات قانونية واجتماعية واضحة حتى لا يتم حرمان الدولة من كوادرها الوطنية التي صرفت عليها من تعليم وصحة وتدريب وتاهيل ملايين من الريالات ، فهم الثروة التي لا تقدر بثمن.

فاذا كانت الصحة محتاجة لكوادر طبية وكفاءات ، والتعليم لمدرسين ذو خبرة ، والخارجية لدبلوماسيين اكفاء في مجالهم السياسي ، والداخلية لولاه ومحافظين يملكون زمام الأمور في حل القضايا وإدارة الشؤون المحلية بمهارة وبعد نظر ، ومهندسين خبرة يخططون للبناء كل في مجاله واختصاصه ، والمحاكم لخبرات قانونية ، وغيرهم فان القرار المفاجيء لتقاعد هذه الشريحة من المجتمع سيسبب اضرارا في الأداء الوظيفي او الحراك الاقتصادي والتجاري الداخلي بشكل او بآخر.

الخسارة لن تكون أموالا يتم توفيرها من موظفين لا يتعدي رواتبهم عدة ملايين ، لكن الخسارة هي في كفاءات كلفت الدولة مبالغ عالية لاعدادها وتدريبها ، ولعله يمكن للجنة الوزارية إعادة النظر والاستفادة من مقومات وامكانيات البلد لتجاوز الازمة المالية والاقتصادية، ولنا في كثير من الدول العبر في عبور الازمات دون الاضرار بدخل المواطن البسيط.

حقا معظم الدول تعاني ، الفقيرة منها والغنية من ازمة مالية وجائحة كورونا وأزمة اقتصادية وهبوط أسعار النفط ، ولكنها عبرت بحلول داخلية ـ دون اللجوء او سماع نصائح صندوق البنك الدولي وغيره ـ فالحلول البسيطة يمكن ان تساهم في تخفيف الازمة ولو لعامين بوقف كل العلاوات ، كما تطبقها بعض الدول ، وزيادة بعض الضرائب وتخفيض بعض الرواتب في جهات معينة ولو بنسبة 5 في المائة ، وهو ما يوفر ملايين الريالات دون الحاجة للتقاعد. ولعل دمج الصناديق خطوة في هذا الاتجاه.

نحن نؤمن ان القرار ليس نهاية المطاف ، والتوجيه السامي مطاع ، وكذلك المواطن البسيط الذي لا يتعدى راتبه الفي ريال لا يستطيع مواجهة ما هو قادم من غلاء المعيشة وامور أخرى ، والحلول كانت كثيرة لتجاوز الازمة دون تسريح الكفاءات والخبرات الوطنية والذين صبروا في السراء والضراء على كل شيء ، والبعض منهم يستحقون درجتين لصبرهم عشر سنوات او اكثر دون ترقيات، ووضعوا آمالهم على قانون التقاعد السابق 60 سنة في كل امورهم الحياتية والبنكية، لتأتي القرارات عكس ذلك لموظفي الخدمة المدنية دون غيرهم. رغم ان بعض الجهات استخدمت 30 في المائة وابقت على بعض كفاءاتها التي تحتاج اليها..!

نعلم ان الدولة تمر بفترة عصيبة تتطلّب من الجميع الوقوف بجانبها، ولكن الموظف لم يكن سبباً في هذه الأزمة، ولم يكن هو صاحب التخطيط لمشاريع او شركات لم يُكتب لها النجاح وغيرها.

فضريبة الدخل يمكن ان تساهم بتوفير أكثر من مليار ، ووقف بعض العلاوات مؤقتا يمكن ان تساهم في حلحلة بعض الأمور ، وإيجاد ضريبة كورونا لفترة محددة للمسافرين والقادمين بثلاث ريالات لكل فرد يمكن ام تساهم أيضا في الإيرادات، والزكاة الإلزامية السنوية، والأراضي البيضاء الغير مطوره ، ورفع الدعم الحكومي  عن الشركات والوافدين ، وزيادة الغرامات التجارية والمخالفات وغيرها ، التي يمكن ان تسهم في حل الازمة الحالية بعيدا عن العاطفة وكلام المنظرين..!

نحن مع الوطن؛ وسنبقى كذلك في السراء والضراء ، فالتقاعد في حد ذاته امر محتوم عاجلا او اجلا ، لكن المزايا والمكافآت ما بعد الخدمة، تحتاج لاعادة نظر ، فالتقاعد المبكر قضي على ما تبقى من أحلام البسطاء في تحسين دخولهم وظروفهم المعيشية وبناء أراضيهم دون الحاجة لبيعها وشراء احتياجات أبنائهم ، ويجعلهم في مواجهة حقيقية وقاسية مع البنوك والمستلزمات الحياتية ومتطلباتها القادمة في اواخر حياتهم.

قد تعودنا الشفافية والواقعية ورعاية المواطن من قاداتنا حفظهم الله حتى نبني الوطن بصورة مثالية ويكون في مصاف الدول المتقدمة في كل المجالات ، واعلم بان الخير والتطور قادم لا محاله حسب الرؤية السديدة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ اعزه الله ـ بحكمته وتوجيهاته النيرة ، وما شاهدناه خلال الأيام الماضية من مراسيم وتوجيهات لهو دليل وبرهان باننا على طريق الخير سائرون وان للقرار تبعات في الطريق، وسنعمل جميعا كعادتنا لرفعة هذا الوطن واعلاء شأنه ، ونحن كلنا سمعا وطاعة لاوامره وتوجيهاته السامية ، فالمواطن يستحق تعديل وضعه التقاعدي مهما كانت المبررات .. والله من وراء القصد.


د. احمد بن سالم باتميرا
batamira@hotmail.com

 

د. احمد بن سالم باتميرا السلطنة عمان تسونامي مسقط هيثم بن طارق