لماذا نحتاج لمتحدث رسمي باسم الحكومة في السلطنة؟

تاريخ النشر: الجمعة يونيو 19, 2020 8:15 مساءً


بقلم: الهنوف بنت سيف بن سليمان الفارسي.

“كل حد يشكع منهين يوجعه” مثل عماني يطلق على الذين يفسرون الكلام بناء على ما تتمناه رغباتهم وحوائجهم؛ فإن الإنسان بطبعه ميال لفهم الأشياء كما يتمناها أن تكون في الواقع كنوع من الطبطبة على النفس وإحياء الأمل فيها فينتهي به الأمر أخيرا إلى اختلاق الكذبة وتصديقها بل وأحيانا تحركه روحه الخيرة فينشر ما توصل له من “أخبار سارة” على شكل حقائق رسمية ليخلق جوا من السعادة المبهمة المضللة التي سرعان ما تتحول إلى وهم، فتنضم “الأخبار السارة” مجددا إلى قائمة “أمنياتي لعام 2020”.
إن هذه المسألة تكثر في الحالات التي يكون الكلام فيها مهيئا لهكذا نوع من التأويلات، وكأن الصفحة تفتتح بكلمة ويترك المجال للعامة بإكمال بقية السطور، فيختار الأديب القالب الروائي، في قصة أبطالها يعيشون في مدينة تكبت حرياتهم وتكبل أقلامهم بقيود القوانين فتنتهي بهم الأحداث إلى ساحة المدينة معتصمين احتجاجا على واقعهم الأليم، ويختار السياسي حبكة دبلوماسية، مستندا على تاريخ البطل فلان وحنكة ودهاء علان، فيأتي التاجر أخيرا متحديا السياسي والروائي بأن تكملة الكلمة مرتبطة بدخل الفرد السنوي وبسوق الأسهم وليس هنالك داع لأحلام اليقظة هذه، فينظر المواطن العادي من خلف الشاشة دون أن يملك خيارا سوى أن يضم صوته لـ “الأقوى والأكثر شعبية”.
هكذا نحن في عمان، نعيد تعريف المعرف، بإعلامنا ووكالة أنبائنا ومركز التواصل مع حكومتنا، فيكثر تأويل المراسيم السلطانية، والقرارات الرسمية، وكل يغني على ليلاه، فتأتي هنا الحاجة الملحة إلى وجود ما يعرف بـ”المتحدث الرسمي باسم الحكومة” والذي من شأنه أن يقود الأوكسترا ويوحد اللحن واضعا النغمات الموسيقية في سلمها الصحيح؛ فلا غناء ولا طرب خارج النوتة الموسيقية.
إن الدور التي تقوم به وزارة الإعلام العمانية – في هذا الشأن- من بث المراسيم السلطانية والقرارات الرسمية بمختلف وسائلها الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية دون أن تعمل على تحليل المراسيم السلطانية تحليلا عميقا من وجهة النظر الصحيحة والتي من الأجدر أن يقوم بها وزير الإعلام بعد لقاءه المباشر بالسلطان أو بمن ينوب عنه في هذه المسألة، ودون أن تعيد الوزارة صياغة القرارات بما يتناسب مع فهم العامة، لهو دور قاصر بلا أدنى شك.
وماذا عن المورد الأساس للأخبار؟ وكالة الأنباء العمانية والتي من أدوارها الأساسية هو توفير المواد الإعلامية والأخبار سواء لوسائل الإعلام في السلطنة أو للمراسلين، وبالطبع تتضمن هذه المواد القرارات التي تصدر من الجهات الرسمية تضعها كذلك بذات الصياغة التي قد تفهم أحيانا بالشكل الصحيح، وقد تكون مصطلحاتها مطاطة بعيدة كل البعد عن التخصصية والدقة.
في الحقيقة لايمكن أن أتهم الوزارة ووكالة الأنباء العمانية بالتقصير ولا يمكن أن أبرئها أيضا من هذه التهمة؛ إذ أنني لست أعلم هل هذه المسألة مرتبطة بعدم امتلاكها للصلاحيات الكافية والتي تعطيها المساحة المخصصة للتوضيح ولو على الأقل بإعادة الصياغة بشكل يضمن وصول الفكرة بالشكل الصحيح دون الحاجة إلى تأويل المواطنين وإثارة الجدل بينهم؟ أم أن المسألة مرتبطة فعليا بعدم كفاءة العاملين في هاتين الجهتين ليقوموا بهذا الدور!
ولو افترضنا أن الوزارة ووكالة الأنباء لا يتمتلكان الصلاحية في هذا الشأن، هل يمكن أن نعذر أيضا مركز التواصل الحكومي والذي يتولى بشكل أساسي (نشر الرسائل الإعلامية الصادرة من الحكومة و قياس وتحليل توجهات الرأي العام العماني تجاه هذه الرسائل وغيرها من الموضوعات) ألم يصادف المركز أثناء عملية بحثه واستقصاءه للرأي العام مطالبات عديدة بتوضيح بعض القرارات؟ ألم يصادف مطالبات العديد من الناشطين بضرورة تعيين ناطق رسمي للحكومة بعد فشل الجهات التي كانت من الممكن أن تشغل دوره؟
فالناطق الرسمي يتحدد دوره الأساس في أنه مسؤول عن وضع النقاط على الحروف؛ حيث يعمل على إيصال صوت وقرارات الحكومة للشعب وللدول الأخرى بقالب من التوضيح والشفافية والدقة، إما بعمل مؤتمر صحفي أو بأي وسيلة أخرى. وهنا لابد أن أذكر أمثلة توضح أن السلطنة في حاجة حقيقية لناطق رسمي باسم الحكومة.
في أكتوبر عام 2018 أدت زيارة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو إلى أرض السلطنة في عهد السلطان قابوس –طيب الله ثراه- إلى إثارة جدل واسع على المستوى المحلي والدولي، حيث شكك البعض في نوايا السلطان في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مفسرين هذه الزيارة بأنها تطبيع علني مع إسرائيل، وعلى إثر ذلك غرد ناشطون عمانييون في وسم (عمانيون ضد التطبيع) واستمر هذا الوسم لفترة لا يستهان بها وسط الضغط آخر من الصحافة الخارجية، فكانت أكثر المواقف العمانية التي تحتاج إلى شرح وتفسير رغم أن السلطنة لها إرث دبلوماسي عظيم إلا أن ذلك لم يمنع من تعدد الآراء ووجهات النظر والتشكيك بصدق نية هذا الاستقبال.
ومن الأمثلة القريبة جدا: تلك المطالبات المتعلقة بتأجيل أقساط البنوك العمانية إلى ما بعد انتهاء الجائحة، حيث أصدرت اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا في 15 إبريل قرارات متعلقة بحزمة من الإجراءات الاقتصادية للحد من تأثيرات التدابير الاحترازية المرتبطة بانتشار فيروس كورونا لدعم القوى العاملة العمانية المنخفضة أجورهم في القطاع الخاص. فأصدرت هذا القرار بدون أن تضع تفاصيلا أكثر وضوحا متعلقة بعدة أشياء أهمها:
(تحديد قيمة عددية واضحة للأجر المنخفض المذكور، على سبيل المثال الأجور الأقل من 300 ريال) فعدم تحديد هذا الأمر وغيرها من الاعتبارات والمعايير الواجب ذكرها أعطى أصحاب البنوك السلطة في قبول البعض ورفض البعض الآخر فوصفوا بعدم مصداقيتهم في تنفيذ هذا القرار وجاءت مطالبات عديدة من الشعب من خلال وسم (تأجيل القروض العمانية) والذي يطالبون من خلاله بأن يتم تحديد معايير واضحة لمستحقي هذه المبادرة الوطنية بدلا من جعل أصحاب البنوك يتولون الأمر ويجعلونه لصحالهم.
وهنالك بالطبع أمثلة عديدة غير المذكورة أعلاه، تؤكد على أهمية وجود المتحدث الرسمي والذي يضمن وصول الفكرة وتفسيرها بالشكل الصحيح كما وأن وجوده يردع انتشار الشائعات والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالأزمات، فخلاصة القول: لابد من أن تنظر الحكومة في مسألة كهذه خصوصا في هذا العصر حيث وجود ما يعرف اليوم ب(المواطن الصحفي) فتعدد وجهات النظر ووتباين وتشتد الخلافات أحيانا، ليصل الأمر أخيرا إلى ضياع المحتوى الأساس.