التدفق المعلوماتي بين الشمال والجنوب

تاريخ النشر: الأربعاء يونيو 24, 2020 9:12 مساءً

بدأت ظاهرة التدفق الحر للمعلومات في الانتشار بعد الحرب العالمية الثانية حيث برزت الولايات المتحدة باعتبارها قوة مؤثرة في العالم ومن هذا المركز القوي استطاعت الولايات المتحدة فرض نظامها الخاص بتدفق وتبادل المعلومات على المستوى الدولي. وبذلك اصبحت القاعدة الاعلامية مبنية على طرفين غير متكافئين حيث اصبح هناك طرف متمكن واخر متلقى، طرف ينتج ويصنع المعلومات وطرف مستهلك لتلك المعلومات مما أدى إلى اختلال في التدفق المعلوماتي.
يرجع مفهوم الخلل المعلوماتي إلى أواخر ستينيات القرن الماضي حيث اصبح ميزان القوى بين الدول الصناعية والدول النامية اهم الموضوعات المطروحة على الساحة الدولية باعتبارها اساس لكل ما يتصل بها من القضايا الاقتصادية والسياسية.
وبذلك اصبح مصطلح خلل التدفق المعلوماتي أو التدفق المعلوماتي في اتجاه واحد من الشمال الى الجنوب أو من الغرب إلى الشرق أو من الدول الكبرى للدول النامية أحد أهم الموضوعات المطروحة للمناقشة وذلك لعدم قدرة الدول النامية بما فيها الدول العربية على مواجهة هذا الخلل أو الوصول إلى أسبابه وبالتالي امكانية علاجه وخاصه مع وجود طموحات لدى الدول الغنية في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا والجزيرة العربية.
واكد ماكبرايد على أنواع ومستويات الخلل في التدفق المعلوماتي والاخباري. ونتيجة انتاج كل مجتمع للمعلومات التي يحتاج إليها ظهر الاختلال بين كمية الاخبار المعروضة (الكم) ونوع الاخبار المعروضة (الكيف) والتي يكون هدفها نقل وتدفق المعلومات من الشمال الغني إلى الجنوب الفقير أو من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.
ولأن الخلل الاخباري يكون أساسه بسبب الخلل الاعلامي لعدة أسباب منها الخلل في توزيع وسائل الاعلام في العالم، هيمنة وكالات الأنباء العالمية على الأخبار حول العالم، هيمنة الدول المتقدمة أو دول الشمال على 92% من المحطات الاخبارية. ومع التقدم الكبير في وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والانترنت المرتبط بانتشار الحاسب الالي والهواتف النقالة التي تمتلك الدول المتقدمة فيها 98% منها حول العالم.
سمح انتشار الانترنت للعديد من الاشخاص حول العالم للتواصل ونقل الأخبار في الاتجاهيين من خلال توفير العديد من المنصات الاعلامية التي تسمح بتوفير وتعديل التجربة الاعلامية مع توفير طرق جديدة لتفاعل الاشخاص ومشاركتهم لهذه المعلومات مما سمح بتضييق الفجوة الخاصة بالتدفق المعلوماتي بين دول الشمال ودول الجنوب.
أو كما يعرف بمصطلح المواطن الصحفي فكل مواطن لديه القدرة على الوصول إلى شبكة الانترنت يمكنه نقل وبث الأخبار ومشاركتها من وإلى أي مكان في العالم بعد أن كان السبيل الوحيد للوصول إلى الخبر أو المعلومة من قبل القراء هو الصحيفة وللرجوع إلى خبر أو معلومة قديمة فكانت هناك ضرورة للذهاب إلى المكتبة أو الارشيف الخاص بالجريدة.
في الوقت الحالي ومع انتشار الانترنت كما ذكرنا سابقا فقد اصبح الرجوع إلى الأخبار القديمة أو التأكد من مصادر الخبر أو المعلومة أسهل ويمكن تحقيقه بشكل اسرع ومع هذا التطور والانتشار الذي حققته شبكة الانترنت فما زالت الفجوة أو الخلل في التدفق المعلوماتي كبير بين دول الشمال ودول الجنوب.
وهناك عدة أسباب لاستمرار تزايد الفجوة بين دول الشمال والجنوب في عصر الانترنت منها سيطرة الولايات المتحدة الامريكية على المجتمع المعلوماتي باعتبارها القوى العظمى سياسيا واقتصاديا، وانحياز المنظمات الدولية إلى دول الشمال.
أصبح مقياس تقدم وحضارة المجتمعات لا يقاس فقط بكون المجتمعات صناعية أو من الدول النامية ولكن تغيرت ليكون الفرق بين الدول بمدى اشتغال افرادها بإنتاج ومعالجة وتوزيع المعلومات. وهناك عدة اعتبارات للمقارنة بين الدول المتقدمة والنامية في عصر الانترنت والمعلومات والتي لم تعد تقتصر تلك المقارنة على دول الشمال والجنوب فقط بل شملت الفرق بين دول الشمال وبعضهم البعض ودول الجنوب وبعضهم ايضا ومن هذه الاعتبارات قدرة المجتمع على انتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها، والقدرة على ادارة وحفظ هذه المعلومات، وتوافر العوامل التي تسمح بإنتاج، وتطوير المعلومات.
أوضح العديد من الكتاب بعض أسباب الفجوة في التدفق المعلوماتي بين الشمال والجنوب التي باتت تتزايد حتى في عصر المعرفة والانترنت منها عدم وجود سياسة معلوماتية للدول النامية، وافتقار الدول النامية للكوادر البشرية المؤهلة، والجهل المعلوماتي لدى أغلب شعوب الدول النامية.
من المهارات التي يفتقر إليها أغلب شعوب الدول النامية هي القدرة على استخدام التكنولوجيا الرقمية، وأدوات الاتصال أو الشبكات لتحديد وتقييم واستخدام المعلومات، والقدرة على فهم واستخدام المعلومات في أشكال متعددة من مجموعة واسعة من المصادر عندما يتم تقديمها عن طريق أجهزة الكمبيوتر، وقدرة الشخص على أداء المهام بفاعلية في بيئة رقمية، والقدرة على الاستخدام الفعال لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العمل والتعليم والترفيه والتواصل، والقدرة على استخدام وفهم وتقييم وتحليل المعلومات في أشكال متعددة من مجموعة متنوعة من المصادر الرقمية، ومجموعة من الطرق المختلفة لاستخدام الأدوات الرقمية في أنواع مختلفة من الممارسات الثقافية والاجتماعية.
وبعض المهارات التي يجب ان يُراعى فيها الاخلاق والثقة بالنفس كما تشمل المعرفة والانتاج الإبداعي، والاستخدام الموثوق والحاسم للمعلومات والتكنولوجيات الرقمية لتعزيز التنمية الأكاديمية والشخصية والمهنية، والقدرة على العثور واستخدام المعلومات ( والمعروف باسم محو الأمية المعلوماتية ) ولكن يتجاوز ذلك لتشمل التواصل والتعاون والعمل الجماعي، والوعي الاجتماعي في البيئة الرقمية. ومع محاولات دول الجنوب بتكثيف جهودها لتقليص الفجوة بينها وبين دول الشمال في عصر الانفجار المعرفي أو عصر المعلومات مما دعا الدول المتقدمة أو دول الشمال إلى استغلال هذه الفجوة من خلال وسائل الاعلام وقنواتها الاخبارية ووكالات الانباء لتصدير صورة مشوهة عن دول الجنوب وخاصة الدول العربية والاسلامية لتصفها بالجهل والتخلف ومحاولة ربط الارهاب بالإسلام والدول الاسلامية والعربية .
ذلك الاستغلال من دول الشمال لوكالات الانباء الخاصة بها وقنواتها الاخبارية دعا بعض دول الجنوب مثل فينزويلا وقطر لإطلاق شبكات وقنوات اخبارية يمكنهم من خلالها تضييق فجوة التدفق المعلوماتي بين الشمال والجنوب.
أطلق الرئيس الفينزويلي هوغو شافيز قناة تليسور في عام 2005 بهدف مواجهة الهيمنة الشمالية على الجنوب من خلال التدفق المعلوماتي احادي الاتجاه وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية التي قابلت خبر انشاء هذه القناة بالتحفظ خاصة بعد تحقيق التعاون بينها وبين قناة الجزيرة القطرية.
تعد قناة الجزيرة الإنجليزية واحدة من محاولات دول الجنوب بشكل عام والدول العربية والاسلامية بشكل خاص مواجهة التدفق المعلوماتي.
أطلقت دولة قطر بقيادة الأمير حمد بن خليفة الثاني قناة الجزيرة العربية عام 1996 والتي تعتبر أولى محاولات دول الجنوب لمواجهة هيمنة الشمال بعد اغلاق الحكومة البريطانية قناة الBBC العربية ولم تكتفي شبكة قنوات الجزيرة بذلك فحسب بل طورت من خدماتها لتغطي كافة المعلومات من خلال قنواتها المتخصصة مثل الجزيرة الرياضية المتخصصة في اخبار الرياضة، والجزيرة الوثائقية المتخصصة بنشر الافلام الوثائقية المتخصصة، وقناة الجزيرة الانجليزية التي تم بثها في عام 2006 لتكون نافذة لنقل صورة حضارية لدول الجنوب إلى دول الشمال باللغة الانجليزية.

بقلم محمد حمد الكيومي.