د/ عبدالله باحجاج يكتب: الشرعية الاجتماعية والحقوقية .. لإلغاء ربط الأجور بالمؤهلات

تاريخ النشر: الأربعاء سبتمبر 23, 2020 12:35 مساءً

اذا ما حاولنا تكييف قضية الغاء الحد الادني للأجور المرتبط بالمؤهلات في القطاع الخاص واعتماد الحد الأدنى ” 325 ريال ” على كل المؤهلات في البلاد ، فإن هناك مجموعة إشكاليات تطرح الان رغم توضيحات وكيل العمل لبعض وسائل الاعلام أمس ، فهى لم تؤثر على جوهر موقفنا من القضية الي عبرنا عنها أمس في تغريدة لنا نشرت في موقع ” بوابة الاخبار ” فهى تطرح إشكاليات حقوقية واجتماعية وقانونية ، ويمكن أجمال الاشكاليات في التساؤلات التالية :

س : لماذا تجاوزت وزارة العمل المؤسسات القانونية في الغاء الحد الأدنى القانوني الذي يربط الأجور بالمؤهلات والمعمول به منذ عقود ؟ وهذه مسألة تنظمها تشريعات وطنية ودولية ، فالمادة ” 50 ” من قانون العمل يعتد بحق مجلس الوزراء في التحديد ، وكذلك هناك ضوابط استرشاديه للحد الأدنى لاتفاقيات منظمة العمل الدولية التي انضمت اليها بلادنا عام 1994 ، فلماذا تم التجاوز ؟

لو وقفنا عند الضوابط الاسترشادية الدولية ، فهى تنص على الشراكة الرباعية في تحديد الحد الأدنى للأجر، وهم : ممثلين من المنظمات العمالية ، ومن أصحاب العمل ، والجهة الحكومية ، وخبراء مستقلين مشهود لهم بالكفاءة المهنية والحياد من أجل تمثيل المصالح العامة للبلاد ، ويشترط كذلك أن تحكم هذه المسألة معلومات أخصائية موثوقة كإساس للتفاوض على تحديد الحد الأدنى للأجور، بمعنى ، أن القضية ليست بهذه السهولة التي يمكن تصور أن تكون حصريا من مبادرة طرف في الحكومة أو من أصحاب العمل .

س : هل تم اشراك أصحاب العلاقة في قرار الغاء ربط الأجور بالمؤهلات ، واعتماد راتب ” 325 ” ريال كحد أدنى ؟ الإجابة قد جاءت سريعا من رئيس الاتحاد العام لعمال السلطنة الذي تفاجأ بالقرار ، وهذا يعني أن اتحاد عمال السلطنة غيب تماما ، فكيف تتوقع وزارة العمل أن يكون هذا القرار مقبولا ؟ وهناك لجنة حوارية ثلاثية بين اطراف العلاقة ، فلماذا تم تغيبها في مناقشة القرار ، والاستفراد بالقرار ؟

س : ما دور وزارة العمل في النهضة المتجددة ؟ هذا التساؤل نطرحه تعقيبا على ما قاله حرفيا وكيل الوزارة أمس ” وزارة العمل لا تتدخل في تحديد المرتبات ” فمن ينبغي أن يتدخل اذا ما رفعت الوزارة يدها ؟ البديل سيكون الاتحاد العام للسلطنة ونقابات العمل ، وهذا سيفتح ملف انتشار النقابات وتعزيز دورها في حماية حقوق العمال ، وهذا سيدخلنا في مجموعة إشكاليات وتوترات .. لا حصر لها .

ودور اتحاد العمال والنقابات سيظهر في حالة تنصل وزارة العمل عن دورها ، فالفراغ سيولد هذه القوة النائمة الان ، لأهمية وجود قوة تفاوضية نيابة عن العمال ، وهنا ستظهر أهمية المفاوضات الجماعية ، وهى القادرة على المساعدة في تحقيق احتياجات ومصالح كل من العمال والمنشات ، وإلا ، فإن العمال سيكونون الطرف الأضعف أمام الشركات ، ومن ثم علينا ترقب صور الإضراب عن العمل ، وتعطيل المصالح نتيجة الصراع على المصالح .

س : هل الاستفراد في القرارات المصيرية ، كالغاء الحد الأدنى للمؤهلات ، وتجاوز مصانع القرار الاعتيادية ، سيكون من سمات مرحلتنا الجديدة على غرار المرحلة السابقة ؟ فقد صرح سعادة وكيل العمل أن هناك متغيرات ومبادرات أخرى تتعلق بسوق العمل ستصدر قريبا لتعزيز قرار الغاء ربط الحد الأدنى بالمؤهلات ؟ واذا تم تغيب اتحاد عمال السلطنة والنقابات عنها ، فهل تم اشراك القطاع الخاص فيها ؟

منذ ان تم ضخ وجوه جديدة من رجال الاعمال في الحكومة الجديدة ، وعودة تجار مخضرمين للمشهد الحكومي ، فقد ابدينا هواجسنا من هذا المسار ، واعتبرناه استرضاء لفئة التجار والشركات ، فإنه يحمل بصماتهم بصورة مباشرة وغير مباشرة ، والاهم من ذلك ، فإننا نرى فيه مناخات رؤية عمان 1996 – 2020 ، التي بنيت على سياسة تعليمية محدودة الاستيعاب لمخرجات الدبلوم العام ” الثانوية سابقا ” وتبني سياسة احتياجات السوق عبر إقامة مؤسسات للتعليم الفني والتقني ، واكتشفنا بعد عام 2011 أنها كانت سياسة خاطئة ، فالألاف من شبابنا دون تعليم أكاديمي ومهني وتقني ، والان نلغي الاعتداد بالمؤهلات الجامعية والعلمية ، وتفريغ قيمتها المالية بحجة الظروف الاقتصادية ، وضغوطات توفير مصدر لقمة عيش للكل ، المتعلم وغير المتعلم ، أنه مشهد بدأ لنا مرتبكا ، لأنه يقدم خيارا واحدا فقط ، وهو” اقبلوا فرصة العمل ، وانسوا مؤهلاتكم ، وهذا الخيار المتاح لكم فقط ” .

س : هل الأجور المنخفضة ستحافظ على الاستقرار الاجتماعي والأمني في بلادنا ؟ من بين أهم الدوافع التي تلجأ اليها الحكومات لتحديد الحد الأدنى للأجور ، هو ضمانة عدم وقوع مواطنيها في الفقر ، وهنا نتساءل ، هل ” 325 ” ريالا هو الراتب الامن للمواطن في عصر الجبابات ؟ وهنا لا ينبغي النظر لهذا التساؤل بمعزل عن مالات الواقع ، لذلك اربطوه بتطورات سابقة ولاحقة ، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب الضرائب والرسوم ورفع الدعم الحكومي عن بعض الخدمات الأساسية ، فكيف بعد تطبيق ضريبة القيمة المضافة ؟ من المؤكد أننا ندشن مرحلة جديدة غير مدروسة ، تنتج الفقر.

وهذا ما تؤكده المؤشرات ، فقد بحثنا عن مستويات الأجور في القطاع الخاص ، فوجدنا وفق إحصائية رسمية لشهر أغسطس 2019 ، أن هناك ” 77 ” الف و” 228 ” موظفا تتراوح مرتباتهم ما بين ” 325 – 400 ” ريال ، كما أن هناك شريحة عددية كبيرة أقل من ” 400 ” هذا بعد ارتفاع المرتبات ، فكيف كان قبلها ؟ وكيف لو اعتمدنا الحد الأدنى للأجور ” 325 ” ريال .

وينبغي أن ينظر للحد الأدنى للأجور كذلك من سياقات أخرى ، مثل عدد المتقاعدين البالغين ” 59679 ” وفق نظام صناديق تقاعد موظفي الخدمة المدنية حتى يونيو 2020 ، أكثر من ثلاثة ارباعهم تتراوح معاشات تقاعدهم ما بين ” 200 الى أقل من 600 ” ريال ، هذا غير الذين احيلوا للتقاعد اجباريا وفق الامر السامي .

بينما بلغ عدد المتقاعدين في صناديق تقاعد موظفي القطاع الخاص 18932 متقاعدا ، وتتراوح معاشات تقاعد أكثر من ” 71% ” منهم بين ” 200 الى أقل من 400 ” ريال ، والان ، نلزم المسارات الجديدة بحد ادنى لكل المؤهلات ، وهذا بعزز أنتاج الفقر في البلاد ، هل أصحاب قرار الغاء ربط الحد الأدنى بالمؤهلات ، قد درسوا وحللوا انعكاساته الاجتماعية والأمنية واحتقاناته السيكولوجية قبل اتخاذ القرار ؟

س : هل هناك ضمانات من عدم استغلال الشركات هذا الحد الأدنى للأجور ، وتلجأ الى أساليب تدفع بالآخرين الى إعادة الأجور معهم سواء بالنسبة للعقود الثابتة أم المؤقتة عند تجديدها السنوي ؟ تجربتنا مع الالتفاف على الأجور في القطاع الخاص وبعض الجهات الحكومية معروفة ، ولا تزال قائمة ، ولم تقترب منها وزارة العمل حتى الان ، فلكي تهرب بعض الشركات من سلم الأجور ، لجأت الى إقامة شركات من شركة الام ، تسند لها مشاريع توظف فيها مواطنين باقل الأجور عن شركة الأم ، والفارق يشكل لها أرباح مجانية ومضمونة ، وشركات أخرى أقيمت للمتاجرة بمرتبات الاكاديميين كمحاضري التقنية مثلا .

س : هل من الحكمة الغاء ربط الحد الأدنى بالمؤهلات الان على الأقل ؟ نتفهم الوضع المالي الذي تمر به الشركات ، وكذلك الوضع الاقتصادي للدولة ، ونتفهم هاجس المسئولين الجدد في تحقيق النجاح ، لكن ورغم ذلك ، ما كان يستوجب أن يفتحوا هذا الملف بصورة الزامية واحادية ، فالقرار في ذاته يحمل الرفض المبدئي ، بل والجدال المحتدم ، كما يحدث الان في وسائل التواصل الاجتماعي ، والاقتراب منه كان ينبغي يستدرك لمجرد التفكير فيه من الابعاد السياسية والاجتماعية .

س : من هو المستفيد من القرار ؟ طبعا الشركات ، والمتضرر كل من يحمل مؤهلا علميا ، وكذلك كل باحث عن عمل بمؤهل الدبلوم العام وما دونه ، فإذا قبل القرار تحت ضغوطات الوظيفة ، فالكل الان سيتنافسون على الحد الأدنى للأجور ، فالشركات لن تعرض عليهم الا هذا الحد ، فلن يكون لهم خيار سوى قبوله ، وهذا ما يراه وكيل العمل ، عندما قال أنه الأفضل لهم القبول عوضا أن يظلوا بلا عمل ، هكذا تختزل قضية الباحثين عن عمل في عهد الاستوزار الجديد ، وهو لم يكن في عهد الوزراء القدامى .

س : هل وصلنا لمرحلة الرهانات على المهارات بديلا للشهادات ؟ هذه المسألة تحتاج لوقت ، ولا يمكن الانتقال لها بين ليلة وضحاها ، تحتاج لتكاتف مؤسساتي لجودة التعليم والتدريب ومن ثم سوق يعتد بالكفاءات والمهارات دون محسوبيات أو واسطات .. الخ .

س : من أين ينبغي أن تبدأ وزارة العمل مسيرة إيجاد فرص العمل للباحثين ؟ كان يستوجب عليها أن لا تقترب من تغيير الواقع بتلك الكيفية ، فالكيفية هي بمثابة إحداث ثورة على الواقع المكتسب ، وإعادة بنائه بتوازناته الاجتماعية والحقوقية تحتاج لعقود من الزمن ، وحتى يحين وقتها ، فسندفع اثمان كبيرة في مرحلة إقليمية ذات ابعاد دولية خطيرة ، لذلك ، كان عليها أن لا تمس هذا الواقع ، وتفتح ملف فرص العمل للباحثين في شركات النفط والغاز في ضوء الاكتشافات الضخمة المعلنة مؤخرا ، وكذلك البحث في المناطق الحرة والاقتصادية وقطاع الموانئ والشركات الحكومية التي تمنح مدراءها الالاف من الريالات الشهرية .

وقد كشف الأخ سلطان العبري مؤخرا أن مدير في احدى هذه الشركات راتبه ” 27 ” الف ريال ، أي بمعدل الف ومئة ريال يوميا ، وكذلك شركات المساهمات التي تمنح بدورها مرتبات خالية ، فاحدهم يحصل على ” 12 ” الف ريال شهريا ، وهو دون عمل ، هنا منطقة البحث عن فرص عمل امنة ، فلا يعقل أن لا نجد فيها فرصا وظيفية للباحثين ؟ من المؤكد أننا سنجد الالاف أما بالإحلال أو التعمين .

وقد فتحنا في مقال سابق ، ملف منطقة الدقم الاقتصادية التي تضخ فيها الدولة المليارات ، والتي تعتبر الان وجهة عالمية متعددة الأغراض ، ووجدنا فرص العمل في بعض مشاريعها تتقاسمها مع رأسماليات أجنبية ، وفق حصص تفرغ الحق في العمل للمواطنين ، وتشرك مواطني الرأسماليات التي تشاركنا في المشاريع بطلاب خريجي التعهد ، لو كانت خبرات قد نقبل التوجه على اعتبار الاستفادة من خبراتهم.

ومن الأهمية المتكاملة الابعاد كذلك ، فتح أبواب التجنيد العسكري في هذه المرحلة ، وقد اعتبرناه سابقا ، بأنه الخيار الوطني والعقلاني تفرضهما مرحلتنا الداخلية والجيوسياسية ، كل المبررات تتجمع في لحظتنا الزمنية ، وتكشف لنا أهمية التجنيد ، شباب بالألاف في المنازل دون عمل ودون تأطير جامعي ومهني ، ويزدادون سنويا ، لذلك ، فهم يحتاجون الى تكوين معنوي يرسخ القيم الوطنية وروح الانتماء للوطن وتأهيل عسكري ومهني وتقني في كل التخصصات العسكرية .

وبالتوازي مع هذه الخيارات المتاحة الان ، يتم فتح ملف إيجاد فرص العمل للباحثين في الشركات والمؤسسات الكبيرة الخاصة ، وهى ليست قليلة العدد ، مع التلويح بامتيازات حكومية مقابل التوظيف ، بعد أن تكون وزارة العمل قد أعدت برنامجا وطنيا بالتعاون مع كل اطراف العلاقة ، يقوم على تأهيل وتدريب الباحثين لدواعي الاحلال والتعمين في هذه الشركات .. عوضا عن المساس بالمنظومة الامنة للأجور في القطاع الخاص .

ظفار الحد الأدنى للأجور السلطنة عبدالله باحجاج عمان مسقط وزارة العمل