"اوراق الخريف .. جوانب مهمة لإنعاش الاقتصاد الوطني"

تاريخ النشر: الأربعاء نوفمبر 4, 2020 9:31 صباحًا

تهدف الرؤية العمانية الجديدة والعهد المتجدد إلى التحول من الاقتصاد القائم على النفط والغاز إلى اقتصاد قائم على استغلال الثروات الوطنية المتعددة وعلى المعرفة، مع العمل على تحفيز القطاع الخاص وجعله يتولى الدور الرئيسي في تنشيط الاقتصاد الوطني، وزيادة الإنتاج من السلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية الجودة.

وهذه الرؤية يجب أن تعتمد على أربع مراحل أساسية ـ في نظري ـ وهي: تنمية وتطوير وتفعيل المناطق الحرة والصناعية ومنطقة الدقم بإضافة مصانع ذات جدوى اقتصادية واجتماعية، والمرحلة الثانية هي تطوير الاقتصاد الزراعي الفعال والذي يعتمد على استغلال مساحات الأراضي الزراعية بمنتجات تحتاجها البلاد في المقام الأول، والمرحلة الثالثة هي الاقتصاد الصناعي بالاعتماد على جذب الاستثمارات الكبيرة للسلطنة لشركات أجنبية كبيرة ومتخصصة في إطار استغلال الموقع الاستراتيجي والموانئ العمانية المتعددة في هذا الإطار.

أما المرحلة الرابعة فتتطلب التركيز على الاقتصاد المعرفي والبحث والابتكار من خلال فرز الكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة في هذا الإطار وجمعهم تحت مظلة واحدة، وتوفير كافة الإمكانات والتسهيلات للإبداع في البحوث، وصناعة الابتكار في كافة المجالات الحياتية المطلوبة لهذه المرحلة.

لقد آن الأوان أن تكون المخرجات التعليمية معتمدا عليها وقوية، وأن تكون مسايرة للمقترحات الجديدة، لتكون المحصلة إيجاد قوى عاملة وطنية متدربة ولديها القدرة على الإدارة الفعالة، والعمل في مؤسسة تجارية أو صناعية أو سياحية.

فالاقتصاد القائم على المعرفة أصبح ضرورة ملحة، وعلينا اليوم أن يكون جزءا من مناهجنا الدراسية، فالاقتصاد الوطني الذي يشكل القطاع النفطي النسبة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي والمصدر الأول للعائدات الحكومية، يتطلب أن يكون في السنوات القادمة أقل مساهمة وبشكل متدرج ومدروس أيضا من أجل هدف التنويع الاقتصادي كهدف وطني.

فالتقدم العلمي والأيدي العاملة المتدربة والإنتاج والجودة العالية والخبرة من أساسيات الدول الناجحة في القطاعين العام والخاص، وهو ما يجعل بلادنا مهيأة في المقام الأول لهذا النوع من التطور لعلاقاتها السياسية الجيدة مع مختلف دول العالم، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي والأمان المالي وغيره.

والسلطنة مطالبة اليوم بتغيير نظام الحوافز الاقتصادية والتسهيلات والإجراءات القانونية وتهيئة البنية الأساسية لتكنولوجيا المعرفة والاتصالات وغيرها لتكون جاذبة للاستثمار العربي والأجنبي، خصوصا مع وجود معايير حوكمة توفر الاستقرار للمستثمر والمؤسسات بشكل عام.

كما علينا أن نعطي المستثمر المحلي اهتماما خاصا من خلال توفير الدعم المالي المطلوب للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأفراد بشكل مباشر، خصوصا ذات القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
بناء على ما سبق، فإن الطريق إلى الانتقال من الاقتصاد الوطني القائم على النفط أو الضرائب إلى اقتصاد متعدد وقائم على الركائز الأربع الأسياسية المقترحة، يكمن في تطوير وتحسين جودة التعليم والتعليم العالي والتقني والمهني والتدريب على رأس العمل، وتشجيع البحث العلمي والابتكار. فنحن في هذه المرحلة نحتاج لجيل من الكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة على الإسهام في البحث العلمي والابتكار والإبداع ليكون لدينا اقتصاد متنوع ومرغوب وقوي، وبالتالي نضمن تدفق العوائد المالية بشكل أكبر في شرايين الاقتصاد الوطني.

نحن أمام مرحلة مفصلية مهمة جدا، والتوازن المالي ليس هو الحل النهائي، فدعم الاقتصاد الوطني وإيجاد مداخيل مالية جديدة للدولة يحثنا على الإسراع في تنفيذ البرامج الإصلاحية لتنويع الاقتصاد وفق رؤية “عمان 2040″، وفرض رسوم وليس زيادة الضرائب، وذلك سعيا لتحقيق الاستدامة المالية والتنويع الاقتصادي وخلق وظائف متجددة للباحثين عن عمل باستمرار، في وقت يتجه فيه العالم بأسره نحو الانخراط مع معطيات الثورة الرقمية والصناعية الجديدة.

بلا شك، فإن الاقتصاد الوطني مقبل على انتعاش قادم، وفق مؤشرات ودلالات مرئية في العهد الجديد، وهو ما يضمن تحقيق مؤشرات تصاعدية في النمو الاقتصادي خلال المرحلة القادمة، وهي مؤشرات بدأت من خلال التغيرات والمراسيم والتوجيهات السامية التي تمت خلال الفترة الماضية بما يتفق مع التحديات المعاصرة، وترشيد الإنفاق وتنوع مصادر الدخل، دون المساس أو التأثير على دخل المواطن ورفاهيته وراتبه لا من قريب ولا من بعيد، والذي لا يغطي مستلزمات الحياة الضرورية حاليا وغلاء المعيشة، فيجب علينا الحفاظ على الاستقرار والنسيج الاجتماعي في هذه المرحلة الحرجة.

فالتحديات الاقتصادية والمالية يعاني منها العديد من الدول في الأساس، ولكن علينا التأقلم معها، دون خلق ديون جديدة أو زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، والاتجاه لزيادة الرسوم في بعض الجهات والاختصاصات والشركات والسياح، وتصنيف التأشيرات وفتح البلاد اقتصاديا وتجاريا، وخفض مصروفات الميزانية والحد من النفقات وعدد من الإجراءات التقشفية العاجلة والضرورية ورفع نسبة أسعار المشروبات الضارة وغيرها.

ومن أجل بناء اقتصاد حقيقي جديد يستلزم تغيير الذهنيات وإطلاق المبادرات وتحريرها من القيود البيروقراطية، وتعديل القوانين لتتماشى مع هذه المرحلة، ولا جدال في أن السلطنة حققت وشهدت إنجازات وتطورات ملموسة خلال السنوات الماضية من عمر النهضة المباركة، ولا اختلاف في ذلك الأمر بتاتا، ولكن لكل مرحلة وزمن فكر ونظام وتسهيلات تتماشى مع متطلبات المنافسة العالمية. فخلال السنوات الأخيرة طرأ الكثير من التغيرات الإقليمية والدولية في جذب المستثمرين والصناعات وغيرها، والأحداث تتلاحق سياسيا واقتصاديا، ما يتطلب هذه التغييرات العاجلة وليس مسكنات موقوتة.

فرفع الدعم أو فرض ضرائب هي حلول وقتية في النهاية، وعلينا بالأساس توسيع القاعدة الإنتاجية بشكل عام وتطبيق المقترحات البناءة وفرض بعض الرسوم أو زيادتها، فمتى نشاهد برامج لنقل الصناعة التحويلية والمربحة إلى أراضي السلطنة من خلال شراكات عمانية ـ أجنبية، بدلا من التركيز على الجانب التجاري العادي والخدمي والمواد الاستهلاكية البسيطة فقط؟ فتقدم أي بلد يعتمد على الصناعة والإنتاج والتصدير والتي تعد عناصر مهمة لمستقبل بلادنا، مع ما تتضمنه من ميزة الموقع وخلافه.. ولا تبدو المعادلة صعبة، ولا تحتاج للجان وفرق عمل في الأساس، ولكنها في ذات الوقت ليست سهلة إذا عملنا وركزنا في مقومات البلد وثرواتها وفي الرسوم والحلول والمقترحات المتعددة… والله من وراء القصد.

د. احمد بن سالم فرج باتميرا

batamira@hotmail.com

د. احمد بن سالم فرج باتميرا ظفار السلطنة النفط خطة التوازن المالي عمان مسقط هيثم بن طارق كورونا