د. عبدالله باحجاج يكتب: حقبة ما بعد ترامب "تركيا والعرب مقارنة"

تاريخ النشر: الإثنين نوفمبر 16, 2020 3:43 مساءً


اندهشت ،وإن كان اندهاشي غير مبررا ، لعلمي بالخلفيات ، لكنه اندهاش أولي بوقع المفاجأة ، هكذا يمكن تمرير اندهاشي ، لأنني لو احتكمت للعقل ، فلن يكون هناك اندهاشا مبني على العقلانية ، لأن عنصر المفاجأة سيكون نتيجة طبيعية ، يفرضها الواقع الحالي الذي ينتج النخب الحاكمة في عالمنا العربي .

والاندهاش يكمن حول التفكير المستقبلي لتركيا في عهد أردوغان ، مقارنة بنظيره العربي في عهود نفس مصانع إنتاج النخب الحاكمة ، فالأول ، يصنع المستقبل من خلال الاستفادة من معطيات الحاضر ، والثاني ، يكرس الحاضر من خلال ردة الفعل فقط.

فمن سينجح ؟ بمعنى من سيكون له التأثير الإيجابي في العالم الجديد ؟ المنظور الأول أم الثاني ؟ يبرز هذا التساؤل مقاربتين أساسيتين ، سنتناولهما باختصار شديد .

الأولى ، التوظيف السياسي للغة التركية .

قبل ١١ عاما ، اقامة أنقرة في عهد حزب العدالة والتنمية المجلس التركي العالمي للدول الناطقة باللغة التركية الذي يضم 350 مليون شخص ، صرفت عليه أنقرة الأموال الطائلة من أجل كسب الدول عبر إقامة مشاريع تنموية واقتصادية فيها ، بحيث أصبحت هذه الدول الآن تحت الخيمة التركية – كما يوصف في الأدبيات السياسية – .

لن نغرق في ماضي التأسيس رغم أن عمره الزمني حتى الآن ١١ عاما ، وإنما سنركز على أخر مساعي أردوغان الراهنة في إحداث نقلة سياسية كبرى ، ستغير معادلات التوازنات الإقليمية والعالمية ، وستربك الدول العربية ، والكثير من الدول الخليجية إذا لم تغيير من سياستها الراهنة ، وذلك حتى نرى الفارق البنيوي في التفكير بين الأتراك والعرب .

وصل طموح أردوغان الآن إلى تشكيل حلف عسكري بين سبع دول ناطقة بالتركية هي تركيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجكستان في خطوة لضم بقية الدول الأخرى .

وقد أعد لذلك خطة متوسطة الأجل مدتها خمس سنوات -٢٠٢٠،٢٠٢٥ ، طموحه ،تمثيل تركيا هذه الدول في مجلس الأمن الدولي ، وربما زعامة العالم الإسلامي ، قد يفتح له هذا الطريق مستقبلا أو يجد نفسه فيه وفق حسابات عالمية محتملة .

ويبلغ الناتج الإجمالي للخلف العسكري قرابة أربعة تريليون دولار ، ويتجاوز حجم التبادل التجاري داخل دول الخيمة التركية ٤٦٠ مليار دولار سنويا .

الثاني : العرب وحقبة بايدن .

جل تفكير الدول العربية الآن ينصب حول مسألة واحدة ، هي كيف يمكن أن ترضي بايدن ، وهي تكرر التفكير نفسه مع ترامب ، حتى أن بعض نخبها السياسيين ، يقولون في أحاديثهم الخاصة ، هي أربع سنوات ،وعلينا التعايش معها ، وهكذا هو شأنهم مع كل رئيس جمهوري أو ديمقراطي يصل للبيت الأبيض ، ويصل بهم الأمر في نهج تعايشهم مع الحاكم في البيت الأبيض إلى مستوى تقديم التنازلات في الثوابت بل والعقائد .

فعوضا عن توظيف اللغة العربية والدين والتاريخ المشترك ..إلخ على الأقل لتضامنهم ،اذا لم نعد نحلم بالوحدة ، تلجأ بعض الدول الى هدم هذه المقومات إرضاء للصهاينة والأمريكان ، هذه مفارقة كبرى بين التجربتين التركية والعربية ، وعوضا من توظيف الدول العربية المركزية والثرية مواردها المالية للتنمية العربية لكسب دولها وشعوبها ، ابتزها ترامب في وضح النهار دون أن يحفظ ماء وجه أنظمتها ، والآن ، تسارع هذه الدول إلى إنفاقها على النخب الديمقراطية سواء البرلمانية أو الإعلامية أو لمراكز التفكير السياسي المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي في حقبة بايدن .
وتقوم حاليا كلا على انفراد ، بخطوات استباقية مع الإدارة الأمريكية الجديدة ، رصدنا بعضها في الأشكال التالية :
– الإفراج عن المئات من السجناء السياسيين وأصحاب الرأي .
– منح هامش من المعارضة والآراء الأخرى .
– احترام حقوق الإنسان ،وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني .
– شيكات تصرف الآن للمؤسسات الإعلامية الكبرى .

وهناك دول أخرى ، بالإضافة إلى ما سبق ، ترى أن الارتماء الكلي في الأحضان الصهيانة ،سيشكل لها ضمانة سياسية في حقبة بايدن ، لذلك ، فتحت أراضيها على مصاريعها لهم ، ونخشى من دول إقليمية مركزية أن يسودها التفكير نفسه ، وترى أن تطبيعها سيكون نجاة لها من مساءلة ترامب لملف حقوق الإنسان فيها .

لماذا هذا الرعب من بايدن ؟

لأنه وعد أثناء حملته الانتخابية رئيس عربي بالقول ” إذا انتخبت رئيسا ،فلن يكون هناك المزيد من الحرية المطلقة لديكتاتور ترامب المفضل ” وكذلك لموقفه من ملف حقوق الإنسان في الخليج .

الخاتمة

هكذا أبرزت باختصار شديد ، الفارق البنيوي في التفكير بين الأتراك والعرب ، بصرف النظر عن موقفنا من أردوغان ، فاوضحت كيف يفكر اردوغان في الاستقواء خلال أربع سنوات المقبلة ، وهى فترة رئاسة بايدن ؟ وكيف يعمل من خلالها على التأثير على المستقبل مهما كانت تحدياتها او رجل البيت الأبيض المقبل ؟ وكيف أنظمتنا بعضها ، لم تغادر تفكير ضمانة بقائها في الحكم ، والأخرى ديمومة نظامها الأسري في ظل الرهان على التطبيع والحماس له …الخ فلماذا يفشل العرب وينجح الآخرون ؟ الإجابة معلومة للكل .