د. عبدالله باحجاج يكتب: "يوم سعيد .. ويوم عيد"

تاريخ النشر: الأربعاء نوفمبر 18, 2020 7:22 مساءً

تلكم العبارة ، كانت ردة فعل احد اباء تم العفو عن ابنه اليوم ضمن مجموعة من أبناء الوطن، وقد خرجت منه تلك العبارة بتلقائية وفورية اثناء اتصالي به قبل قليل لتهنئته بالافراج عن أبنه ، وهى عبارة تدلل على عمق الفرحة الثنائية التي تحملها كل اسرة افرج عن ابنائها اليوم .
يوم سعيد بالعفو السامي عن ابنه ، تزامن توقيته في يوم عيد وطني سعيد ، وهو عيد اليوبيل الذهبي ، ما اجملها من مشاعر صادقة تربط الفرحة الشخصية /الاسرية /العائلية /الاجتماعية ، بفرحة الوطن التاريخية ، وهى التي دفعت بي الى كتابة هذا المقال ، ونشرع الليلة .
ولنا تصور افراح بقية الاسر ، الاباء الامهات الزوجات الابناء ..بل كل بيت بعد خمس سنوات سجن من مجموع احكام تتراوح ” واحد منهم عشر سنوات ، والبقية مؤبد ” فالنتخيل هذه الافراح “الفردية والجماعية ” في هذه اللحظات الليلية حتى نحس بافراحها ، ولنتخيلها في ظل فرحة الوطن الكبرى بالعيد الذهبي .
أننا اليوم أمام رابطة جديدة يتم تاسيسها بين المجتمع وعهده السياسي الجديد ، قائمة على الرحمة والتسامح والعفو دون الوقوف عند جسامة الاخطاء أو ماهيتها اذا ما كانت الشروط منتجة التسامح .
ويمكننا ان نقول اليوم ، ان التسامح قد أصبح مبدأ من المبادئ الاخلاقية والسياسية الثابتة للدولة العمانية المعاصرة ، وهو نهج سياسي اسسه الراحل -طيب الله ثراه – واستمده من مبادئ ديننا الاسلامي ، واكد على التمسك به مجدد النهضة العمانية حفظه الله ورعاه ، فلم يكد جلالته يشدد في خطاب اليوبيل الذهبي اليوم على التسامح القابوسي ، كمبدأ من مبادئ النهضة المتجددة ، حتى وردتنا أنباء من بعض أسر المفرج عنهم ، عن صدور عفو من لدن جلالته على بعض من أبناء الوطن في توقيت يعكس الايمان بالتسامح عبر تجسيده كنموذج متجدد ومستمر ، وهذه رسالة واضحة على استمرارية ثوابت النهضة العمانية ، كنا في حاجة اليها لعودة الروح مجددا بعد رحيل المؤسس ، وبعد حالات التشاؤم من تداعيات كورونا وانخفاض اسعار النفط .
وهذا يدعونا الى اطلاق التفاؤل مهما كانت التحديات الظرفية ، فنحن على يقين ان بلدا كبلادنا ،نحس ببركتها ،ونشعر بخيرها ، لن يكون التشاؤم بديلا عن التفاؤل ، وانه يستوجب على كل فاعل أن يراهن على التفاؤل وليس غيره .
ولنا في تاريخية التسامح والعفو نتائج مبهرة ، يستوجب المقام هنا التذكير بها ، لعل ابرزها الحفاظ على منظومة الوحدة الوطنية وتمتينها ، واختفاء كل مظاهر العداء بين الفرد او الجماعة مع السلطة السياسية ، بحيث لا نجد اليوم اية ثارات سياسية قد تعكر واقع أو مستقبل استقرارنا السياسي ، فالكل مندمج مع مراحل التنمية بمختلف صور الانصهار والاندماج ، وهذه حالة عمانية ، تتميز بها بلادنا ،ونقف الان معتزين بها ، وداعمين لها ، لنتائجها المبهرة .
ولو بحثنا عن اصل التسامح والعفو العماني ،سنجده متجذرا في الثقافة العمانية ، فقد عرُف العمانيون منذ القدم بأنهم مجتمع متسامح، فعمان من أوائل البلدان التي اعتنقت الإسلام طواعية بدون حرب ولا قتال.
وحاضرنا أمتداد لتاريخنا ، وكذلك سيكون مستقبلنا ان شاء الله ،لذلك ،ليس مستغربا ان تطبق قيادتنا مبدأ التسامح كقيمة إنسانية فوق حجية القانون واحكامه ، لان الابناء هم احفاد ذلك الجيل الذي اشاد به رسولنا العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام ،ففي حديث يرويه الصحابي الجليل أبو برزة رضي الله عنه فيقول 🙁 بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ ) رواه مسلم ،من هنا نقول ،أن العلاقة القائمة بين السلطة والمواطن قائمة على المناصحة على عكس القتل والضرب السائدة في دول أخرى ، اللهم لك الحمد والشكر .