استعراض النجوم للممتلكات… دعاية أم نرجسية ؟ "تحليل نفسي"

تاريخ النشر: السبت نوفمبر 21, 2020 1:21 مساءً

قبل عصر السوشيال ميديا وربما من أيام الأبيض وأسود مثلما يقولون، كان بعض الفنانين الراغبين في الشهرة وتسليط الأضواء عليهم باستمرار، لديهم حيلة سهلة ومعروفة، وهي أن يطلق أحدهم أو إحداهن شائعة حول نفسه، سواء زواج أو طلاق أو حادث أو واقعة غريبة، ويسربها للصحافة بشكل أو بآخر، فيتردد اسمه طوال الوقت، ويزداد شهرة، فيرتفع سعره بسبب زيادة الإقبال عليه في الأعمال الفنية.

حيلة قديمة لكنها لم تندثر للأسف، بل تطورت وأصبحت أكثر ملائمة للتطور التكنولوجي الهائل، فيكفي أن أحدهم يكتب منشورا أو ينشر صورة مثيرة للجدل ثم يحذفها بعد ثوان، ويعود ليبرر: معلش الأكونت اتهكر، أو يستغل بعض اللجان الإلكترونية لدعمه أو للتظاهر بالهجوم عليه فيرد ويبرر ويدافع وينشغل لأمره الجميع، المهم أن يظل تحت دائرة الضوء لأطول وقت ممكن.

لكن تبقى الحيلة الأكثر فعالية الآن هي استعراض الممتلكات، والحرص على إظهار الثراء الفاحش إن جاز التعبير، وكأنه مظهر من مظاهر القوة والنجومية والنجاح في اعتقاد البعض.

استعرض باستمرار صورا وفيديوهات لك من طائرة خاصة أو يخت أو قصر أو أسطول من السيارات، أو حتى ارتدي ملابس من أغلى الماركات العالمية، بل ربما صنعت خصيصا لك، لا تكن مثل أحد، بل نافس الجميع في إظهار ممتلكاتك.. بالطبع الشهرة لن تأتي من المنافسة بل من متابعة الجمهور لكل ذلك، الجمهور الذي أغلبه يعاني من الفقر أو يحاول جاهد ألا يقع من دائرة الطبقة المتوسطة لما هو أدنى، فيستفزه الأمر، فيعلق تعليقات سلبية، وبعضهم يدافع ويبردد فيزداد السجال والنقاش، ويبقى النجم هو المستفيد الأول وربما الأوحد.

في الحقيقة هناك فئة كبيرة من المشاهير سواء الفنانين أو الرياضيين أو كبار رجال الأعمال يحبون التباهي بأغلى ما لديهم من ممتلكات، فيسعون دوما لإظهار طائراتهم الخاصة وساعاتهم الفاخرة ومجوهراتهم الأندر في العالم، والعطور التي تحمل أسمائهم وغيره من الأشياء التي تؤكد أن هناك حالة كاملة من الربط بين مكانتهم وبين ما هو غالي الثمن، أو بتعبير أدق نوع من النرجسية الشديدة بحب الذات والتفاخر بالأشياء المملوكة وحب التباهي وإظهار القوة واستعراضها.

حتى النرجسية ليست نوعا واحدا، بل منها السلبي والإيجابي، فيوضح الدكتور إبراهيم مجدي حسين استشاري الطب النفسي، أن النرجسي الإيجابي هو الشخص الذي يكون قد حقق من النجاحات ما يستحق أن يجعله يشعر بذاته ويعتز بنفسه، فيكون قليل الكلام، كثير المهابة، أنيقا طوال الوقت، لديه كاريزما وهالة معينة حوله دائما، يشعر بالثقة بالنفس، وحب السلطة، والالتزام الصارم بالقوانين، والقدرة الشديدة على الإقناع، وعدم الندم على أي قرار، والانتصار في أغلب المعارك، وعدم المبالاة بالنقد.

أما النرجسي السلبي فيُحقر من الآخرين ويرى أنه أفضل من الجميع، ويسخر دائمًا ممن حوله ويحب أن يكون في دائرة الضوء دائمًا، يتميز بجنون العظمة وتعظيم الذات واستغلال الآخرين لتحقيق مصالحه الشخصية، وغالبًا يعاني من عدم قدرته على بناء علاقات شخصية ناجحة، بمجرد أن يصبح ثريا نجده يستعرض بأمواله، بغض عن النظر عن مصدر هذه الأموال ومدى القوة التي يحصل عليها من خلالها، هو فقط ينفق ببذخ حتى يظهر تأثير الشهرة، فتتركز عليه الأضواء دوما.

وهذا النوع السلبي نراه لدى كثير من الفنانين، في محاولة منهم لعمل حالة من الصناعة السطحية للنجومية، بعيدا عن نجومية الفكر، لأن الأولى تصنع التريندات وتُشكّل عنصر جذب وتسليط قوي للضوء على الفنان، أما الثانية فلا يلتفت لها إلا القليل، وقلما يهتم الناس بفكر شخص معين أو مدى قيمته الفكرية والفلسفية، بقدر ما يستفزهم تصرفات شخص آخر، خاصة لو كانت خاطئة من وجهة نظرهم.

فمثلا قبل أشهر، وفي حوار له مع الإعلامي وائل الإبراشي ببرنامج “التاسعة”، سُئِل الفنان محمد رمضان عن سبب حرصه على استخدام نفس الطريقة المستفزة لزملائه ولكثير من الجمهور، حول أنه الأنجح والأقوى والأغنى ونمبر وان والأسطورة وغيره من الألقاب والصفات والتصريحات ومظاهر الاستعراض التي لا يتوقف عنها، أجاب رمضان بمنتهى المصداقية: “طريقة ناجحة وأثبتت نجاحها معايا ومع الجمهور أغيرها ليه.. المفروض أغيرها لو فشلت إنما اللي حاصل العكس، فبالتالي كده أنا صح”، نعم هو صح، سواء اختلفنا أو اتفقنا حول كونها طريقة سليمة أم غير ذلك.. لكن حدث المطلوب تحقيقه في النهاية.

اللطيف أن رمضان معترف بكونه يحب الاستعراض طوال الوقت، صحيح أنه يقول أن الأمر من باب “أما بنعمة ربك فحدث”، وأن جمهوره يحبه ويتمنى له المزيد، أما الكارهون فيغضبون من رؤية مظاهر الثراء والنجاح عليه، لكن لا بأس، على الأقل معترف بالأمر وإن كان يراه إيجابيا، في حين كثير من المشاهير لا يدركون أنهم يفعلون نفس الشيء بنفس الطريقة، وربما يهاجمون رمضان من حين لآخر، ولو أنهم نظروا لأنفسهم لوجدوا أنهم يفعلون مثله، بل ربما أكثر!

للإنصاف يقول البعض إن هذا الأمر نوع من حياة النجومية، فكلما زادت شهرتك وأموالك يكون من الطبيعي أن تملك أغلى الأشياء، ويكون ظهورك بها منطقيا ومتوقعا، فامتلاكك للطائرات الخاصة مثلا يكون مبررا ببحثك عن الخصوصية أو الإنجاز في الوقت وعدم الارتباط بمواعيد معينة للرحلات، فتسافر وتعود في المواعيد المناسبة لك بكل سهولة، وغيره من الأسباب التي تؤكد أنك نجم وغني ومشهور وبالتأكيد قوي، لكن حرصك على التقاط الصور ونشرها في كل المناسبات بهذا الشكل فما مبرره إن كان زائدا عن الحد؟!

في النهاية، الفنان الذي يستعرض بممتلكاته أو الفنانة التي تتفاخر بممتلكات زوجها أو رجل الأعمال الذي يتفاخر بنفوذه وثرائه الفاحش، لن يبقى منهم جميعا في النهاية إلا الأثر الذي تركوه في العقول وعلى أرض الواقع، أما الممتلكات فتزول والأموال تقل، والنجومية الحقيقية بما يظهر أمام الكاميرا وليس بعيدا عنها، القيمة الحقيقية فيما يستفيد به الناس منك لا ما يرونه عليك، هذا ما يمكث في الأرض… ويبقى.

محمد رمضان