الفراغ يقتلنا

منذ ٨ أشهر
تاريخ النشر: الأحد نوفمبر 10, 2019 5:29 صباحًا

بقلم:رحمة بنت صالح الهدابية

لم يكن يعلم بأنّ الضغط الدراسي الذي يعيشه، وتذمره الدائم على ما يطلب منه من مشاريع وإحضار تقارير وغيرها من الأعمال والواجبات التي يطلب منه تنفيذها وتسليمها كذلك في وقتها المحدد بأنه ولمجرد أن يخرج من أساور هذه الجامعة سوف يعيش فارغا قاتلا يجعله يتمنى أن يتكرر سيناريو دخوله لهذه الجامعة ويبقى فيها مدة أطول لما ملأت عليه حياته وعرف من خلالها كيف يستغل الثانية قبل الدقيقة لينجز ما أوكل إليه إنجازه من مهام وأنشطة مختلفة.

قد أخطأنا حقاً التقدير عندما استعجلنا التخرج معتقدين بأن تخرجنا هذا سوف يخلصنا من جميع المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، واليوم نقولها بالفم الملآن: ليت الزمان يعود بنا للوراء قليلا ونبقى طلاباً شغلنا الشاغل أن نفهم ونستوعب ما يلقيه علينا المحاضر أثناء محاضرته من علوم ومعارف شتى ومتى نجتمع لنفهم بعضنا ما أشكل عليه فهمه من دروس ومسائل و حرصنا الكبير على عدم تفويت أو تطنيش أي محاضرة وتنافسنا الشريف فيما بيننا على حصول العلامات الكاملة في كل مادة ندرسها، كل تلك الأجواء التي عشناه وإن بدت للوهلة الأولى على إنها أجواء ضاغطة وعصيبة مررنا بها إلا أنها أحرم وأرأف بنا حالاً من الفراغ الذي نعيشه آلان لأننا وبكل بساطة كنا نعرف كيف نقضي أوقاتنا فيها.

فالفراغ كما أسلفت قاتل ومهدد لحياة الإنسان عندما لا يجد ما يشغله ويقضي وقتاً من يوميه فيما يحب.

و لك أن تتخيل بأن تصحى منذ الصباح الباكر ولا تعرف كيف تقضي وقت فراغك وفيما تقضيه و تعيش يومك وغدك أيضا كأمسك دون أن يحدث لك شيئا مميزاً يقلب هذا الروتين الممل رأساً على عقب وتضطر أن تعود للنوم لعله الملاذ الأخير لإنهاء هذا الفراغ الذي يعيشه.

وفي بعض الأحيان تحاول جاهداً أن تسخّر و تستغل كل ما تتمتع به من مواهب وإمكانيات لعلك تجد عملاً ينقذك من هذا البؤس الذي أنت فيه.

مع كل ذلك يبغاتك بين الفينة والأخرى شعور مربك وغريب بأن الزمن قد أوقف عجلاته على فترة لا تعلم متى ستتحرك عجلاته و تخرجك من دائرة الضيق التي تمر بها.

و تجد نفسك مشتركاً بهذا الشعور المؤلم القاسي مع الكثير من زملائك الذين لم يحظَ أي واحد منهم بتلك الوظيفة التي لطالما حلما بها وهو على مقاعد الدراسة وتكتفي بالصمت لأنك لا تجد من الكلام المعبر لتصيغ وتنظم ما تشعر به من احساسك بالظلم والقهر ومستقبل غامض ومجهول لا تعلم نهايته.

ومن المفارقات العجيبة التي خلّفتها أزمة الباحثين عن عمل، تناقض البعض في تناول هذه القضية وكأن الباحثين عن عمل هم من خلقوا هذه المشكلة لأنفسهم ولابد أن يتحملوا تبعاتها دون الاكتراث بما يعيشه هؤلاء الباحثين من أزمة نفسية ومادية وهم يرون سنوات من حياتهم تذهب هدرًا، ويكيل البعض بالمديح المصطنع والمبالغ فيه عند رؤيتهم لشابٍ عماني يقف في إحدى الطرقات كبائع أو سائق أجرة وهم يعلمون في قرارة أنفسهم لولا الحاجة لما عمل هؤلاء الشباب في مثل هذه الوظائف البسيطة وهم الذين اجتهدوا وثابروا طيلة دراستهم آملين أن يتوجوا تعب آباءهم بوظيفة تليق بهم.

فهل من المعقول أن يبقى الشباب العماني في وظائف دونية و يضطر أغلبهم أن يعمل في أكثر من وظيفة حتى يستطيع تأمين احتياجات أسرته، والوافد مهيمن على الوظائف العليا في بلاده ويتحكم بصغيرها قبل كبيرها دون أن يعترض عليه أحد، هل هذه نظرتكم لأبنائكم وشبابكم وهل هذه أقصى طموحاتكم بأن تروهم مهمشين وهم في عقر دارهم.

أخيراً، الفراغ لم يقتلنا فقط وإنما سلب منا بهجة أجمل لحظات عمرنا التي من المفترض أن نعيشها ونحن في قمة العطاء والامتنان لخدمة وطننا الغالي “عُمان”.

الإعلانات
الباحثين عن عمل الروتين الجامعات السلطنة رحمة بنت صالح الهدابية عمان وظائف

أخبار ذات صلة